
ليست كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف كرة، وليست انتصارات المنتخب المغربي مجرد نتائج تسجل في دفاتر الاتحاد الدولي لكرة القدم.ففي كل مرة ينزل فيها أسود الأطلس إلى أرضية الملعب يقدمون درسا يتجاوز حدود الرياضة، درسا في الانتماء والمسؤولية والإيمان بأن خدمة الوطن شرف لا يضاهيه شرف.
من أين يأتي ذلك الإصرار الذي يجعل لاعبا يواصل الركض رغم أن عضلاته تكاد تتمزق؟ ومن أين يستمد تلك القوة التي تدفعه إلى النهوض بعد كل سقوط وكأن الألم لا يعنيه؟ وكيف يستطيع أن يكمل المباراة وقميصه ممزق ورأسه ينزف وقدماه تحملان آثار معركة حقيقية؟
الجواب لا يكمن في قيمة المكافآت ولا في شهرة الملاعب، ولا في أضواء الكاميرات. بل لأن القميص الذي يرتديه لم يعد مجرد قطعة قماش وإنما أصبح رمزا لوطن بأكمله.
حين يرتدي اللاعب القميص الأحمر الذي تتوسطه النجمة الخضراء،لا يمثل نفسه ولا ناديه ولا مدينته،بل يحمل فوق كتفيه تاريخ أمة وآمال شعب ودعوات الأمهات وأحلام الأطفال وانتظار ملايين المغاربة الذين يرون في كل انتصار صورة مشرقة لوطن يستحق أن يكون بين الكبار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو خرج هذا القميص من الملعب؟
ماذا لو ارتداه المسؤول وهو يدخل مكتبه؟ والمهندس وهو يضع تصاميم المشاريع والأستاذ وهو يدخل قسمه،
والطبيب وهو يستقبل مرضاه والقاضي وهو ينطق بالعدل. والبرلماني وهو يرفع يده للتصويت
ورئيس الجماعة وهو يوقع مشروعا تنمويا ؟
ماذا لو شعر كل واحد منهم بأنه يحمل الوطن على كتفيه كما يحمله اللاعب داخل المستطيل الأخضر؟
لو حدث ذلك، هل كنا سنسمع كل يوم عن مشاريع متعثرة،أو صفقات مشبوهة أو هدر للمال العام أو تأخر في إنجاز الأوراش أو سوء في التدبير أو ضياع لفرص التنمية؟
في الملعب، لا يدخل اللاعب المباراة من أجل التعادل مع نفسه ولا يرضى بالهزيمة قبل صافرة النهاية،بل يقاتل حتى آخر ثانية،لأن الهزيمة بالنسبة إليه ليست خسارة مباراة فقط،بل شعور بأنه لم يكن في مستوى ثقة وطن كامل.
أما في بعض المكاتب، فيبدو أحيانا أن البعض دخل المسؤولية بعقلية مختلفة لا بعقلية البناء والإنجاز وإنما بعقلية الاكتفاء بالحد الأدنى أو السعي وراء المكاسب الشخصية ولو كان الثمن تعطيل مصالح المواطنين وتأخير مسيرة الوطن.
في الملاعب يسيل العرق والدم دفاعا عن راية المغرب وفي المقابل، تضيع في بعض الإدارات سنوات من الزمن وتهدر الأموال وتتعطل المشاريع ويستنزف الأمل دون أن يشعر بعض المسؤولين بثقل الأمانة التي يحملونها.
أي روح تلك التي تجعل لاعبا يبكي بعد خسارة مباراة لأنه شعر أنه خذل وطنه؟
وأي ضمير يسمح لمسؤول أن يرى مشروعا يتعطل أو مرفقا يتراجع،أو مالا عاما يهدر ثم يغادر مكتبه وكأن شيئا لم يكن؟
في المدرجات، يقف ملايين المغاربة على قلب رجل واحد. لا أحد يسأل اللاعب عن حزبه ولا عن قبيلته ولا عن لغته ولا عن أصله ولا عن مدينته.
يكفي أنه يرتدي قميص المغرب.
فلماذا يتوحد الوطن داخل الملعب بينما يتفرق أحيانا خارجه؟ ولماذا يتحول الانتماء في الرياضة إلى ممارسة يومية بينما يظل في بعض مواقع المسؤولية مجرد شعارات ترفع في المناسبات؟
إن المنتخب الوطني لم يصنع إنجازاته لأنه يضم أفضل اللاعبين فقط،بل لأنه نجح في بناء ثقافة تقوم على الانضباط والعمل الجماعي ،التضحية،الثقة والإيمان بأن النجاح لا يصنع بالأفراد بل بروح الفريق.
إنها روح “تمغربيت” في أجمل صورها. وهل تحتاج التنمية إلى أكثر من هذه القيم؟ أليست الإدارة فريقا وأليست المدرسة فريقا وأليست الجماعة الترابية فريقاوأليست الحكومة فريقا؟ كل انتصار يحققه المنتخب الوطني يذكرنا بحقيقة واضحة:
المغرب لا تنقصه الكفاءات ولا تنقصه الطاقات ولا تنقصه الإرادة عندما يكون الهدف واضحا .ما ينقصنا أحيانا هو أن يحمل كل مسؤول الوطن في قلبه كما يحمله اللاعب على صدره.
أن يدخل مكتبه بالعقلية نفسها التي يدخل بها اللاعب أرضية الملعب.
أن يعتبر كل توقيع مسؤولية.وكل مشروع وعدا للمواطن. وكل نجاح انتصارا للمغرب وكل تقصير هدفا في مرمى الوطن.
يوم يخجل المسؤول من ضياع فرصة تنموية كما يخجل المهاجم من إضاعة هدف محقق .ويوم يتألم الموظف من تأخر خدمة المواطن كما يتألم اللاعب من مرارة الهزيمة.ويوم تصبح خدمة الوطن رسالة قبل أن تكون وظيفة،وشرفا قبل أن تكون امتيازا. عندها فقط لن يكون المنتخب الوطني هو الاستثناء، بل سيصبح صورة صادقة لمغرب بأكمله.
مغرب ينتصر في ملاعبه كما ينتصر في مدارسه ومستشفياته وإداراته، ومحاكمه وجماعاته وكل مؤسساته. وحينها لن تهاب الأمم مهارة لاعبينا فحسب. بل ستحترم دولة جعلت من الإخلاص والانضباط والكفاءة والنزاهة والعمل الجماعي أسلوبا في إدارة شؤونها،كما جعلته طريقا إلى المجد في ملاعب كرة القدم.



