
باريس ـ أحمد الميداوي
أقرّ المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري الفرنسي، أول أمس، قانونا جديدا يضبط حلقات وحصص الظهور على التلفزيون بشكل متساوي بين رئيس الجمهورية والأغلبية الحاكمة والمعارضة. وسيتيح هذا القانون الذي تأخر سنوات عن الصدور بسبب خلافات إجرائية كثيرة، تطبيق مبدأ التعددية الإعلامية فيما يخص الحصص الزمنية المخصصة للشخصيات السياسية على أمواج الإذاعة وشاشات التلفزيون. وهكذا سيتم لأول مرة منذ إحداث المجلس عام 1989، احتساب جميع تدخلات رئيس الدولة باستثناء تلك المصنفة في قمة الأولويات الوطنية على غرار الخطب التي يلقيها أثناء زيارات الدولة بالخارج، أو خلال حفلات استقبال الشخصيات الدولية. وما عدا ذلك، فإن جميع تدخلاته ذات الصلة بالشأن السياسي العام والخيارات السياسية داخليا وخارجيا، ستخصم من الحصص الزمنية المخصصة له، والمحددة في 50% للرئيس، و50% للمعارضة وللأغلبية الحاكمة.
ويأتي النظام الجديد لتصحيح الاختلالات الزمنية التي كان رئيس الدولة يستفيد بموجبها من حصة الثلثين في الإذاعة والتلفزيون، والباقي يتم تقاسمه بين أحزاب المعارضة والحكومة والأغلبية البرلمانية.
فمع هذا الإقرار، ستحظى المعارضة بنصف حصة الرئيس وبنفس حصة الحكومة والأغلبية البرلمانية، وهو ما لقي استحسانا وترحيبا كبيرين من لدن الحزب الاشتراكي الذي يرجع له الفضل قبل ستة أشهر، في رفع شكاية عن طريق نائبه، نوربير غرافيي، للمجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري حول “الاختناق الإعلامي” الذي يمارسه الرئيس إيمانويل ماكرون، واستحواذه على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بشكل أصبح مفروضا على الشعب الفرنسي، وهو ما اعتبره “أمرا غير دستوري يخرج عن مسار الديمقراطية”.
ويجمع الإعلاميون على أن الرئيس ماكرون هو أحد الرؤساء الأكثر “حبّا في الظهور” في العالم. ومن فرط عشقه للإعلام، أنشأ له محطّة تلفزيونية خاصة تعرف بـ “ماكرون TV” وهو موقع إلكتروني يحتوي على أبرز محطّات حياته السياسية وخطاباته وحلقات ظهوره على التلفزيون، فضلا عن مجموعة من الفيديوكليبات التي تمجّد إنجازاته. وقد اختفى الموقع مؤقتا لإعادة هيكلته حتى يكون أكثر فاعلية وجاذبية، بحسب الساهرين عليه.
وقد اشتكت الصحافة البصرية غير ما مرة من تخمة الظهور الماكروني المفروض عليها، في غياب نصوص تلزم المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري تقليص حصة النشاط الرئاسي. فلا يمر يوم دون أن يحل ماكرون ضيفا على واحدة أو اثنتين من أهم القنوات الفرنسية ليضمن “الخدمة بعد البيع” لخطبه الأسبوعية، كما علق بسخرية الخبير الإعلامي، بيير بولينار، عضو “التجمع من أجل الديموقراطية بالتلفزيون” الذي دعا قبل شهرين، مدعوما من معظم وسائل الإعلام، إلى تنظيم “يوم إعلامي بدون ماكرون”، أي يوم خالي من أية صورة أو خبر أو حتى كلمة، إيجابية كانت أم سلبية، عن الرئيس الفرنسي وتحركاته. والهدف هو مساعدة الفرنسيين على التخلص من ظهوره المكثف في وسائل الإعلام والذي يمثل، حسب التجمع، “خطرا على ديمقراطية الإعلام في فرنسا”.
وكان الإعلامي الفرنسي وهو أيضا من قياديي حزب “فرنسا المتمردة”، يأمل أن يفتح نداء “اليوم الإعلامي بدون ماكرون” باب النقاش حول ديموقراطية الإعلام في فرنسا، وسيطرة الشركات الممولة للقطاع، مع التطرق أيضا إلى موضوع هيمنة الرئيس الفرنسي نفسه على السياسة الإعلامية العامة في البلاد، وتسخيرها” لتحسين صورته أمام الرأي العام المحلّي والعالمي”، على حد قوله.
والفكرة القائلة بخلو الإعلام الفرنسي يوما كاملا من أي نشاط أو صورة أو حتى كلمة عن الرئيس ماكرون، لا زالت حية في أذهان الكثير من الإعلاميين الفرنسيين، وحتى في الأوساط السياسية، تنتظر من يُخرجها من طور الأماني والنداءات إلى طور التجسيد الفعلي على الواقع.
وعلى مدى ثلاثة أيام خصصت جريدة /ليبراسيون/ الموالية للحزب الاشتراكي، صفحتها الأولى لهذا النداء، بغية إثارة الانتباه إلى ما تسميه بعملية “التمركز الإعلامي” l’égocentrisme médiatique التي يمارسها الرئيس من خلال تكييف أنشطته وتضخيمها حتى تبدو مادة أساسية لوسائل الإعلام.
وتثير أجندة الرئيس المكثفة حالات من النفور والتردد في أوساط الصحافة الرئاسية.”لم نعد نتحمل طواف فرنسا الإعلامي الذي يخطّه ماكرون ومساعدوه”، يقول الصحفي بيرنار زوكري، عن قناة “كنال بلوس” مضيفا، “بينما كان الرئيسان جاك شيراك ونيكولا ساركوزي يكتفيان ببلاغات يختزلان فيهما النشاط الرئاسي مع قليل من التنقلات، وفرانسوا هولاند يفضل العمل بعيدا عن الأضواء، يطلع علينا ماكرون بتنقلاته وأجندته المكثفة حبا في الظهور وسعيا إلى كسب نقط ارتكاز شعبية جديدة هو بحاجة ماسة إليها لتمرير سياسته”.
والمعروف عن الرئيس ماكرون أنه يقيم شبكة علاقات قوية وكثيرة مع كبار مديري ومالكي وسائل الإعلام الفرنسية من بينهم صديقه أرنو لاغردير، رجل الأعمال المعروف بتربعه على مملكة حقيقية من حوالي أربعين منبرا إعلاميا مختلفا (باري ماتش، أوربا 1، لوموند، جورنال دو ديمانش..)، والملياردير فنسان بولوغي الذي يملك أهم عناوين الصحافة المجانية في فرنسا، وبرنار أرنو، مالك جريدة “لاتربون” الاقتصادية وأسبوعية “ماريان”، وهو من المئة الأكثر ثراءً في العالم، بالإضافة إلى صداقات أخرى قوية تربطه بمسئولي قنوات ورؤساء تحرير يعملون في القطاع الحكومي.



