
مع إسدال الستار على مشاركة المنتخب المغربي في مونديال 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي انتهت بمسار كروي محترم وصولاً إلى ربع النهائي قبل الخروج أمام فرنسا، لم يكن النقاش في الشارع المغربي مقتصراً على الأداء الفني والبدني داخل المستطيل الأخضر. بل تفجّر غضب واسع وسخط عارم على جبهة أخرى لا تقل أهمية: الأداء الكارثي للبعثة الإعلامية المغربية الضخمة التي رافقت الأسود لتغطية الحدث.
بين صدمة الجماهير مما نُشر على منصات التواصل، والتساؤلات الحارقة حول جدوى إنفاق الملايين من المال العام، نضع تحت المجهر تفاصيل هذا المشهد الذي وصفه الكثيرون بـ”المهزلة الصحفية”.

1. “المحظوظون” وتوزيع كعكة الدعم السخي
سافر وفد إعلامي رياضي مغربي ضخم يتجاوز الـ 50 إعلامياً وإعلامية تحت رعاية “الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين”، في رحلة مغطاة التكاليف بالكامل وبدعم مالي سخي. المفارقة الصارخة هنا تكمن في معايير الاختيار؛ حيث طفت على السطح اتهامات مباشرة بالمحسوبية والزبونية والولاءات. فالصحفيون المستقلون والأقلام النقدية والمهنيون الميدانيون الذين كان بإمكانهم تقديم مادة رياضية وتحليلية رصينة استُبعدوا بشكل لافت، بينما كانت التذاكر الذهبية للرحلات وحجوزات الفنادق من نصيب الوجوه المقربة والمؤسسات التي تتلقى دعماً كبيراً من الدولة. لقد تحول الدعم العمومي الموجه لتطوير الإعلام إلى وسيلة لمكافأة المهادنة وتوزيع سفريات سياحية مدفوعة الأجر لبلاد العم سام.
2. من نقل الخبر الرياضي.. إلى غواية “السيلفي” وتلميع الوجوه
المشكلة الكبرى لم تكن في حجم الوفد أو الميزانيات المرصودة له فحسب، بل في المادة الإعلامية الهزيلة وشبه المنعدمة التي قدمها هؤلاء “المحظوظون”. فبدلاً من نقل كواليس تقنية تفصيلية، إجراء حوارات حصرية، أو تقديم تحليل تكتيكي لمواجهات قوية كلقاء البرازيل أو كندا أو فرنسا، انزلق المشهد الإعلامي إلى هاوية “صناعة المحتوى التافه” و”التوثيق السياحي الشخصي”:
حمى السوشيال ميديا والتوثيق السياحي: امتلأت حسابات هؤلاء الصحفيين بصورهم الشخصية أمام معالم المدن الأمريكية وفي مدرجات الملاعب، ومقاطع “فلوغات” تلخص جولات التسوق ووجبات الطعام، متقمصين دور “المؤثرين” و”صناع المحتوى” (Influencers) على حساب دورهم الأساسي كصحفيين مهنيين مكلفين بمهمة وطنية.
بروتوكول “المدح والتهليل”: وبدلاً من تتبع هموم الجماهير المغربية التي عانت الأمرين من غلاء تذاكر المباريات وأزمة التأشيرات الأمريكية، تسابق الوفد الإعلامي في تقديم فروض الولاء وتدبيج عبارات الثناء والتبخير لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، مظهرين إياه في صورة “البطل الاستثنائي” الذي لا يُقهر، دون طرح أي سؤال نقدي جاد حول ميزانيات الجامعة أو واقع التكوين الكروي الفئات الأخرى.
3. ما هو دورهم الحقيقي؟ ومن المسؤول عن هذه “الكارثة”؟
حين يغيب السؤال النقدي، وحين يتحول الصحفي الرياضي إلى مجرد “مشجع ببطاقة اعتماد” أو “موظف علاقات عامة” لدى الجامعة، تفقد الصحافة مبرر وجودها وسلطتها الرابعة. إن دور الصحفي الحقيقي في تظاهرة بحجم المونديال يتلخص في: الوقوف على الحقائق وبث الأخبار والتحليلات بدقة وموضوعية. رصد الاختلالات الإدارية واللوجستية، ونقل نبض ومعاناة الجماهير. تقديم قراءة تقنية نقدية تحمي المكتسبات الكروية وتكشف مكامن الضعف لتصحيحها.
لكن ما حدث في أمريكا كان نقيض ذلك تماماً، وبلغت الفوضى ذروتها بالمشادات والشجارات المخجلة بين بعض الصحفيين أنفسهم داخل قاعات المؤتمرات الصحفية للمنتخب الوطني (كما حدث قبيل مباراة فرنسا في ربع النهائي)، مما صدّر صورة مشوهة وغير مهنية عن الجسم الصحفي المغربي أمام وسائل الإعلام العالمية التي استغربت هذا السلوك العشوائي.
من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية هنا مشتركة وتتوزع على ثلاثة أطراف رئيسية:
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم: التي كرست لسنوات ثقافة “الإعلام الصديق” المقرب والمهادن، وعملت على تسهيل سفر الأقلام التي لا تبحث سوى عن التقاط الصور والمديح الشخصي للمسؤولين.
الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين: التي غيبت معايير الديمقراطية والشفافية وتكافؤ الفرص في انتقاء البعثة، مفضلةً إرضاء اللوبيات الإعلامية الكبرى على حساب الكفاءة المهنية وشباب المهنة الطامحين.
وزارة الشباب والثقافة والتواصل: لغياب المراقبة والمحاسبة الصارمة لأوجه صرف الدعم العمومي المخصص للإعلام، وعدم ربطه بمؤشرات أداء مهنية واضحة تضمن تقديم محتوى يستفيد منه المواطن المغربي دافع الضرائب.
وأختم بأن الصحافة الرياضية ليست ترفاً أو رحلة استجمام سياحية تُمنح كهدية للمحظوظين على حساب المال العام. وإذا كان المغرب يطمح لتنظيم تظاهرات عملاقة ككأس أمم إفريقيا ومونديال 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، فإن إصلاح الجسم الصحفي الرياضي وتطهيره من العشوائية و”صحافة السيلفي والبروتوكول” بات ضرورة قصوى وآنية. فبدون إعلام مهني، ناقد، وبناء، ستظل إنجازاتنا الرياضية عارية من أي حماية فكرية وتوثيق حقيقي يليق بسمعة الوطن وشغف جماهيره الوفية.



