Hot eventsأخبارفي الصميم

الهضرة عليك الحادر عينيك انتخابات 2026: هل يفرض “زلزال النزاهة” ثورة داخل الأحزاب السياسية؟


منير لكماني – ألمانيا

لم يعد الحديث اليوم عن اللجنة المركزية لضمان نزاهة إنتخابات 2026 بإعتبارها مجرد آلية رقابية، بل أصبح الحديث عن الزلزال السياسي الذي أحدثته داخل مقرات الأحزاب. ففي لحظة واحدة، وجدت التنظيمات السياسية نفسها أمام معادلة جديدة لم تكن في الحسبان، ومعها بدأت الأسئلة الصعبة تطارد القيادات الحزبية أكثر مما تطارد المرشحين.

أول هذه الأسئلة: هل ستتراجع الأحزاب عن التزكيات التي سبق أن منحتها؟ وهل ستملك الجرأة لإلغاء أسماء اعتقدت أنها حسمت أمر ترشحها، بعدما أصبحت معايير النزاهة والتدقيق أكثر صرامة؟ فالتراجع عن تزكية مرشح قد يخلق أزمة داخلية، والإبقاء عليه قد يكلف الحزب صورته أمام الرأي العام، وهو ما يجعل جميع الخيارات مكلفة.

المشكلة أن الوقت لا يعمل لصالح الأحزاب. فالاستحقاقات تقترب، وإعادة ترتيب البيت الداخلي تحتاج إلى أشهر من النقاش والحسم، بينما لم يعد أمام القيادات سوى أسابيع قليلة لإعادة تقييم اختياراتها. ولذلك يبدو أن العديد من الأحزاب ستجد نفسها أمام سباق مع الزمن لإعادة تشكيل لوائحها، وتنقية صفوفها، والبحث عن أسماء تستطيع الدفاع عنها أمام الناخب والرأي العام.

هذا الواقع الجديد قد يفرض على الأحزاب مراجعة فلسفة التزكيات برمتها. فهل ستبقى الولاءات الداخلية والاعتبارات الإنتخابية الضيقة هي المحدد الأول؟ أم ستصبح الكفاءة والنزاهة والسمعة الحسنة هي المعيار الحقيقي؟ لقد اعتادت بعض الأحزاب على الإعتماد على “الأسماء المضمونة انتخابيا”، حتى وإن كانت مثار جدل، لكن المرحلة الحالية قد تجعل هذا الرهان أكثر خطورة من أي وقت مضى.

كما يطرح هذا التحول سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل سنشهد نهاية مرحلة “أصحاب الشكارة” و”شناقة الإنتخابات” الذين كانوا يحضرون بقوة كلما اقترب موعد الاقتراع؟ فإذا كانت الرسالة الجديدة عنوانها التشدد في حماية نزاهة الإنتخابات، فإن أول المتضررين سيكون أولئك الذين اعتادوا تحويل الاستحقاقات إلى سوق للمصالح، وليس إلى تنافس ديمقراطي على البرامج والكفاءات.

وفي المقابل، قد تجد الأحزاب نفسها مضطرة، وليس مخيرة، إلى البحث عن وجوه جديدة. وجوه تمتلك الكفاءة، وتحظى بالقبول المجتمعي، ولم ترتبط بأية ممارسات أضرت بصورة العمل السياسي. ولن يكون مستغربا أن تتجه الأنظار نحو الأطر العليا، والأساتذة الجامعيين، والخبراء، ورجال الإدارة، والتقنوقراطيين، لإقناعهم بخوض غمار السياسة، بعدما أصبح الرهان الحقيقي هو استرجاع ثقة المواطن أكثر من مجرد الفوز بالمقاعد.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل ستغامر الأحزاب بالأسماء القديمة التي استهلكت رصيدها السياسي؟ أم أنها ستختار القطع مع الماضي، مهما كانت كلفة القرار داخليا؟ فالاحتفاظ بالوجوه نفسها قد يفهم على أنه رسالة بعدم الرغبة في التغيير، بينما قد يمنح التجديد فرصة لإعادة بناء صورة الأحزاب التي تضررت خلال السنوات الأخيرة.

كما أن شكل الحملات الإنتخابية سيكون بدوره على المحك. فهل ستختفي لغة التراشق والاتهامات والشعبوية التي ميزت محطات سابقة؟ أم أن المنافسة ستظل أسيرة الخطابات الإنفعالية؟ إن الظرفية الحالية تفرض على الأحزاب أن تنتقل من سياسة إثارة العواطف إلى سياسة إقناع الناخب بالبرامج والحلول، لأن أي انزلاق قد تكون كلفته السياسية أكبر مما كان عليه في السابق.

إن ما تعيشه الأحزاب اليوم ليس مجرد ارتباك تنظيمي، بل إمتحان حقيقي لقدرتها على التكيف مع مرحلة جديدة. مرحلة لا يكفي فيها إمتلاك قواعد انتخابية، بل تتطلب إمتلاك مصداقية، ونخبا مؤهلة، وديمقراطية داخلية حقيقية. لذلك، قد لا يكون الرابح في إنتخابات 2026 هو الحزب الأكثر شعبية، وإنما الحزب الذي ينجح أولا في إعادة ترتيب بيته الداخلي، والتخلص من إرث الممارسات التي أضعفت ثقة المواطن، ليقدم نخبة جديدة قادرة على إقناع الناخب بأن السياسة يمكن أن تستعيد معناها الحقيقي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button