Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

مغاربة العالم في الرؤية الملكية.. من الرعاية إلى الشراكة والحكامة المؤسساتية

ألمانيا- منير لكماني

حظيت قضايا مغاربة العالم بمكانة بارزة في الرؤية الملكية منذ إعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999. ولم يكن هذا الإهتمام ظرفيا أو مرتبطا بمناسبات محددة، بل شكل توجها استراتيجيا ثابتا، يقوم على إعتبار المغاربة المقيمين بالخارج جزءا أصيلا من الأمة المغربية، وامتدادا طبيعيا للوطن، وشريكا أساسيا في مساره التنموي وإشعاعه الحضاري.

وقد عكست الخطب الملكية، وفي مقدمتها خطب العرش، تطورا واضحا في مقاربة شؤون الجالية؛ إذ انتقلت من منطق الرعاية والإنصات إلى الإنشغالات، إلى تثمين الكفاءات وتعزيز المشاركة، ثم إلى إرساء حكامة مؤسساتية حديثة تستجيب لتحولات الجالية وانتظاراتها.

ففي أول خطاب للعرش سنة 1999، أعلن جلالة الملك أن قضايا المغاربة المقيمين بالخارج ستكون ضمن أولويات العهد الجديد، مؤكدا: «من الأمور التي سنوجه لها إهتمامنا الخاص قضايا جاليتنا القاطنة بالخارج…». وقد أسس هذا التوجيه لعلاقة جديدة بين الدولة وأبنائها في الخارج، قوامها الإنصات إلى مشكلاتهم، والعمل على حماية حقوقهم، وتذليل الصعوبات التي تعترضهم، وتقوية ارتباطهم الدائم بوطنهم الأم.

وفي خطاب العرش لسنة 2003، أبرز جلالة الملك عمق الصلة التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم، قائلا: «ومثلما يجسد التوافد الهائل لرعايانا الأعزاء المقيمين بالخارج على وطنهم تعلقهم الراسخ ببلدهم…». وهكذا، لم تعد العودة السنوية مجرد حركة موسمية، بل غدت تعبيرا عن رسوخ الإنتماء، وإستمرار الروابط الأسرية والوطنية، والثقة في مستقبل المملكة.

واتسعت هذه الرؤية في خطاب سنة 2004، حين أكد جلالة الملك أن مشروع بناء مغرب التقدم يشمل جميع المواطنين، بقوله: «ولأن توجهنا الإستراتيجي لبناء مغرب التقدم يشمل جميع المواطنين، حيثما كانوا، ولا سيما منهم المقيمين بالخارج…». ودعا إلى إعتماد سياسة للهجرة تراعي التحولات التي عرفتها الجالية، وتحفظ هويتها الوطنية والدينية والثقافية، وتشجع إندماجها الإيجابي في مجتمعات الإقامة. كما عبر عن ثقته في أن «المغاربة بالخارج سيظلون خير مجسد للتفاعل الإيجابي بين مختلف الثقافات والحضارات»، بما يكرس دورهم سفراء لقيم المغرب وانفتاحه.

وفي سنة 2006، إنتقلت الرؤية الملكية إلى بعد المشاركة في الحياة العامة، من خلال طرح مسألة التمثيل البرلماني للمغاربة المقيمين بالخارج. وقد عكس ذلك قناعة راسخة بأن المواطنة لا تحدها الحدود الجغرافية، وأن الإسهام في بناء الوطن حق ومسؤولية يشترك فيهما جميع المغاربة، داخل المملكة وخارجها.

وجدد خطاب العرش لسنة 2013 الإشادة بروح المواطنة والوفاء التي يتحلى بها أفراد الجالية، رغم الظروف الإقتصادية الصعبة في عدد من بلدان الإقامة. وقال جلالة الملك: «نعبر عن اعتزازنا بما يتحلى به أفراد جاليتنا في الخارج، من روح المواطنة، والتعلق الدائم بوطنهم الأم»، مضيفا: «نشيد بوطنيتهم الصادقة، ونعبر عن ترحيبنا بهم، مشمولين بكامل عطفنا ورعايتنا». وقد أبرز الخطاب البعد الإنساني العميق للعلاقة التي تجمع الوطن بأبنائه المقيمين بالخارج.

وشكل خطاب العرش لسنة 2015 محطة مفصلية، إذ انتقلت المقاربة من التعبير عن الرعاية إلى مساءلة أداء المؤسسات. فقد نقل جلالة الملك انشغالات أفراد الجالية بشأن الخدمات القنصلية والإدارية، ودعا إلى تحسين جودتها، وتبسيط المساطر، وإختيار الكفاءات، وصيانة كرامة المواطنين، بما يرسخ مبدأ الإدارة المواطنة ويجعلها أكثر قربا ونجاعة.

ولم يتراجع حضور قضايا الجالية بعد سنة 2015، بل اتخذ أبعادا جديدة. ففي خطاب ثورة الملك والشعب لسنة 2016، دعا جلالة الملك المغاربة المقيمين بالخارج إلى التشبث بقيم الإسلام المعتدل، والحفاظ على صورتهم المشرفة، والإسهام في ترسيخ السلم والعيش المشترك داخل مجتمعات الإقامة، باعتبارهم سفراء للمغرب وقيمه الحضارية.

وفي خطاب المناسبة نفسها سنة 2022، ارتقت الرؤية الملكية إلى مستوى الشراكة الفعلية، من خلال الدعوة إلى تعبئة كفاءات مغاربة العالم، والإستفادة من خبراتهم العلمية والإقتصادية والثقافية، وتشجيع استثماراتهم، ومراجعة الإطار المؤسساتي المكلف بشؤونهم، بما يضمن مزيدا من الفعالية والتكامل.

وجاء خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2024 ليترجم هذا التوجه إلى إصلاح مؤسساتي متكامل، من خلال الإعلان عن إحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، إلى جانب إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج. ويهدف هذا التحول إلى توحيد الجهود، وتحسين الحكامة، وتعبئة الكفاءات، ومواكبة الإستثمارات، وتقوية الروابط الوطنية والثقافية والدينية مع مختلف أجيال الجالية.

وهكذا، تكشف الخطب الملكية عن مسار متدرج ومتكامل، بدأ بالرعاية وحماية الحقوق، ثم إنتقل إلى ترسيخ الإنتماء وتوسيع المشاركة، وصولا إلى الشراكة والحكامة المؤسساتية. فمغاربة العالم ليسوا مجرد جالية تعيش خارج الوطن، بل قوة إقتصادية وعلمية وثقافية، وسفراء لقيم المغرب، وشركاء دائمون في تنميته وإشعاعه. وتؤكد هذه الرؤية أن قوة المملكة لا تختزل في حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى أبنائها المنتشرين عبر العالم، المتشبثين بهويتهم، والمساهمين بفاعلية في بناء مستقبل وطنهم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button