أخبارالرئيسيةتقارير وملفاتحوار

البشير الدخيل يفتح “الصندوق الأسود” للبوليساريو ويتهم الجزائر باختطاف المشروع

ليست كل الشهادات سواء، فبعضها يعيد سرد الوقائع، بينما يهز بعضها الآخر ملفات ظلت لعقود حبيسة الكواليس. وهذا ما فعله البشير الدخيل، أحد الأسماء المؤسسة لجبهة البوليساريو، حين خرج في حوار مطول ليروي تفاصيل يعتبرها الأقرب إلى “الصندوق الأسود” لنشأة الجبهة، مقدماً رواية مختلفة عن السردية التي تبنتها قيادتها منذ أكثر من نصف قرن.

وعلى امتداد أكثر من ساعة ونصف من الحوار، على قناة “الشرعي بودكاست”، تنقل الدخيل بين محطات التأسيس الأولى، والخلافات الداخلية، وعلاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين والعقيد الليبي معمر القذافي، وصولاً إلى اتهامات غير مسبوقة وجهها للقيادة الحالية للجبهة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، الذي لم يتردد في وصفه بأنه “خان رفاقه” وتحول، وفق روايته، إلى أداة لتنفيذ السياسات الجزائرية داخل التنظيم.

حلم التحرير… قبل أن تتغير البوصلة

يبدأ الدخيل حكايته بالعودة إلى سنة 1973، حين كان مجموعة من الطلبة والشباب الصحراويين يحملون حلماً واحداً يتمثل في إنهاء الوجود الإسباني بالصحراء.

ويروي أن تلك المرحلة كانت امتداداً لموجة حركات التحرر الوطني التي اجتاحت العالم العربي وإفريقيا، وأن المؤسسين الأوائل لم يكونوا، بحسب روايته، يفكرون في صناعة كيان تابع لأي دولة، بقدر ما كانوا يؤمنون بأنهم يقودون حركة تحرر وطنية مستقلة.

ولهذا السبب، يقول إن المؤتمر الأول للجبهة اختار بالإجماع الولي مصطفى السيد أميناً عاماً، باعتباره الشخصية الأكثر تكويناً سياسياً وتنظيماً، بينما لم يكن إبراهيم غالي، آنذاك، سوى أحد العناصر التي التحقت لاحقاً بالحركة.

القذافي… الداعم لا المؤسس

ويخصص الدخيل جزءاً مهماً من شهادته لتصحيح ما يعتبره “أسطورة سياسية” حول دور ليبيا.

فبرأيه، لم يؤسس العقيد معمر القذافي البوليساريو، وإنما قدم لها السلاح والدعم السياسي كما فعل مع حركات تحرر أخرى في إفريقيا والعالم العربي.

ويقول إن اختزال نشأة البوليساريو في الدعم الليبي “يلغي دور المؤسسين الحقيقيين”، مؤكداً أن التنظيم كان قائماً قبل وصول أولى أشكال الدعم الخارجي.

الجزائر… اللحظة التي تغير فيها كل شيء

غير أن الرواية تأخذ منعطفاً مختلفاً عند سنة 1974.

فهنا، بحسب الدخيل، بدأت الجزائر تمارس نفوذاً مباشراً على قرارات الجبهة بعد استضافة قياداتها وإخضاعها لسلسلة من اللقاءات السياسية والتنظيمية.

ويؤكد أن تلك المرحلة شكلت نقطة التحول التي انتقل فيها القرار من قيادة الحركة إلى أجهزة الدولة الجزائرية، مضيفاً أن اختيار القيادات الجديدة لم يعد يخضع للكفاءة أو الانتخاب، بل لاعتبارات قبلية وسياسية تخدم الرؤية الجزائرية.

ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الجزائر كانت تنظر إلى البوليساريو باعتبارها ورقة في صراعها الإقليمي مع المغرب، أكثر من كونها حركة تحرر مستقلة.

محاولة إبعاد الولي مصطفى السيد

ومن أخطر ما كشفه الدخيل حديثه عن ما وصفه بـ”أول انقلاب داخلي” داخل البوليساريو.

فبحسب شهادته، تعرض الولي مصطفى السيد لضغوط كبيرة لإبعاده عن قيادة الجبهة بعد رفضه تدخل الجزائر في القرار السياسي والعسكري.

ويروي أن اللجنة التنفيذية حاولت عزله خارج الأطر التنظيمية، إلا أن الولي رفض الاعتراف بذلك، معتبراً أن عزله لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤتمر استثنائي، وفق النظام الداخلي للجبهة.

ويؤكد الدخيل أن هذا الصراع انتهى لاحقاً بعزل الرجل سياسياً، قبل أن يلقى مصرعه سنة 1976 خلال هجوم على العاصمة الموريتانية نواكشوط، في ظروف يعتبرها “نتيجة مباشرة لذلك الصراع”.

مناضلون يتحولون إلى سجناء

لكن أكثر فصول الشهادة إيلاماً يبدأ بعد ذلك.

فالدخيل يؤكد أن المؤسسين الأوائل تحولوا، في ظرف وجيز، من قادة داخل التنظيم إلى مطلوبين داخله.

ويقول إن عدداً من أعضاء اللجنة العسكرية اعتُقلوا، بينما جرى التخلص من آخرين أو تصفيتهم، مضيفاً أنه شخصياً تعرض للاعتقال، قبل أن يتم اقتياده مع أربعة من رفاقه إلى منطقة صحراوية نائية، حيث تُركوا مكبلين لمواجهة الموت.

ويستعيد تلك اللحظات قائلاً إن راعياً للغنم أنقذ حياتهم بعد أيام من الضياع، بينما لقي آخرون، بحسب روايته، مصرعهم برصاص رفاق الأمس.

اتهامات مباشرة لإبراهيم غالي

ولم يتردد الدخيل في تحميل إبراهيم غالي مسؤولية المشاركة في تلك الأحداث.

فهو يؤكد أن السيارة التي نقلته إلى مكان احتجازه كان يقودها غالي شخصياً، متهماً إياه بالمشاركة في حملة استهدفت المؤسسين الذين رفضوا، حسب قوله، إخضاع الجبهة بالكامل للقرار الجزائري.

ويقول إن غالي “لم يخن رفاقه فقط، بل خان المشروع الذي تأسست من أجله الجبهة”، قبل أن يعلن استعداده لمناظرته في أي وسيلة إعلامية، قائلاً: “أتحداه أن يجلس معي أمام الكاميرات، ولتكن الوثائق والحجج هي الحكم.”

مخيمات تندوف… من اللجوء إلى الورقة السياسية

وفي محور آخر، يطرح الدخيل قراءة مختلفة لنشأة مخيمات تندوف.

فبحسب روايته، لم يكن الهدف الأول من إنشائها إيواء اللاجئين فقط، بل تكوين كتلة بشرية تُستخدم كورقة ضغط في المحافل الدولية.

ويقول إن أول مخيم لم يكن يتجاوز بضع خيام، قبل أن تتوسع العملية تدريجياً، مضيفاً أن رفض إجراء إحصاء رسمي لسكان المخيمات يعكس، في رأيه، استمرار توظيفها سياسياً.

كما يوجه اتهامات ثقيلة لقيادة البوليساريو بارتكاب انتهاكات واسعة داخل المخيمات، تشمل الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، معتبراً أن الجزائر تتحمل المسؤولية القانونية والسياسية بحكم احتضانها للمخيمات فوق أراضيها.

“الحجر في الحذاء”… شهادة من داخل القاعة

ومن أكثر المقاطع إثارة، حديثه عن العبارة الشهيرة المنسوبة للرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، عندما قال إن البوليساريو ستكون “حجراً في حذاء المغرب”.

ويؤكد الدخيل أنه كان حاضراً خلال خطاب عيد العمال سنة 1976، وأنه استمع مباشرة إلى هذا التوصيف، معتبراً أنه يلخص طبيعة النظرة الجزائرية إلى النزاع، بوصفه ورقة ضغط جيوسياسية أكثر منه قضية تقرير مصير.

المسيرة الخضراء… قراءة من الداخل

وبخصوص المسيرة الخضراء، يعتبر الدخيل أنها شكلت محطة سياسية حاسمة أنهت الوجود الإسباني، وأن اتفاق مدريد الثلاثي جاء في إطار تفاهمات شاركت فيها الأطراف المعنية آنذاك.

كما يرى أن تطور قرارات الأمم المتحدة لاحقاً، واتساع التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، يعكس تحولاً في مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع الممتد.

نهاية مشروع أم بداية مراجعة؟

ورغم حدة الانتقادات التي وجهها إلى قيادة البوليساريو، يميز الدخيل بين القيادة وسكان مخيمات تندوف، مؤكداً أن هؤلاء “ضحايا قبل أن يكونوا طرفاً في النزاع”، وأن كثيرين منهم، بحسب قوله، يتطلعون إلى إنهاء معاناتهم إذا توفرت الظروف المناسبة.

وفي المقابل، يذهب إلى أن البوليساريو، بصيغتها الحالية، فقدت أسباب وجودها منذ سنوات، وأن استمرارها أصبح مرتبطاً بالدعم الجزائري أكثر من ارتباطه بتمثيل الصحراويين.

ويختم شهادته بتوقع أن أي تحول سياسي داخل الجزائر ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل هذا الملف، معتبراً أن الحل النهائي لنزاع الصحراء يظل رهيناً بإرادة سياسية إقليمية تضع حداً لأحد أطول النزاعات في المنطقة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button