الذكاء الاصطناعي والقانون الدولي.. معضلة الحوكمة في زمن اللايقين

بقلم: يونس الأزمي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم في التطبيقات المدنية، بل تحوّل إلى متغير جوهري يعيد تشكيل موازين القوة بين الدول، ويطرح أسئلة عميقة على بنية القانون الدولي القائمة أساساً على مفاهيم السيادة والمسؤولية والفاعل البشري. فحين تنتقل الرقائق والخوارزميات من مراكز البيانات المدنية إلى ساحات القتال والقرار الأمني، يصبح النظام الدولي أمام تحدٍّ غير مسبوق: كيف يمكن ضبط تقنية تتطور بوتيرة تفوق قدرة الحكومات والمؤسسات الدولية على مواكبتها؟
أولاً: تحديات قانونية وسياسية متشابكة
فراغ تشريعي في مواجهة الأسلحة ذاتية التشغيل
يُعد ملف “الروبوتات القاتلة” والأنظمة السلاحية ذاتية التشغيل من أخطر تجليات هذه المعضلة.
فالقانون الدولي الإنساني، المصمم أصلاً لعالم يتخذ فيه الإنسان قرار استخدام القوة، لا يقدّم إجابات واضحة حين تُترك مهمة اختيار الأهداف أو الاشتباك معها لخوارزمية. وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة مراراً من خطورة السماح لأي دولة بتطوير أو نشر تطبيقات عسكرية للذكاء الاصطناعي تنتهك مبادئ التمييز والتناسب التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
تآكل مفهوم المسؤولية الدولية
من يُساءل حين يتسبب نظام ذكاء اصطناعي في ضرر يمس السلم والأمن الدوليين؟ الدولة المطوّرة؟ الشركة المصنّعة؟ أم الجهة المستخدمة؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية القانونية يُضعف قدرة الأطر الدولية القائمة، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، على معالجة النزاعات الناشئة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في غياب معايير موحدة لاختبار الأنظمة وقياس مخاطرها.
أداة لإعادة تشكيل موازين القوى
أظهرت مؤشرات السلام العالمي لعام 2026 أن العالم يمر بواحدة من أكثر مراحله اضطراباً منذ عقود، وأن هذا التراجع لا يرتبط فقط باستمرار النزاعات التقليدية، بل يتزامن مع تحولات نوعية في طبيعة الصراع نفسه، أبرزها التوظيف المتسارع للذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية.
كما حذّر فريق علمي دولي مستقل تابع للأمم المتحدة من أن هذه التكنولوجيا قد تتسبب في أضرار كارثية، سواء بشكل ذاتي أو نتيجة إساءة استخدامها من جهات خبيثة، مؤكداً أن وتيرة تطورها تسبق الفهم العلمي وقدرة الحكومات على التكيف معها.
الفجوة الرقمية وشرعية الحوكمة
وفقاً لتقرير الهيئة الاستشارية رفيعة المستوى للأمم المتحدة، فإن أكثر من 118 دولة، معظمها في الجنوب العالمي، لا تشارك في أي من المبادرات الدولية البارزة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، في حين تقتصر المشاركة الشاملة في جميع هذه المبادرات على سبع دول متقدمة فقط. هذا الاستبعاد الواسع يضع علامة استفهام كبيرة على مدى شرعية وفعالية أي إطار حوكمي يُصاغ دون إشراك غالبية دول العالم.
ثانياً: مسار الأمم المتحدة، من التحذير المبكر إلى الحوار العالمي
تعود الدعوة الأممية الأولى لتنظيم الذكاء الاصطناعي إلى عام 2017، حين نبّه الأمين العام أنطونيو غوتيريش الجمعية العامة إلى تأثيراته المحتملة على الوظائف والأمن العالمي ونسيج المجتمعات. ومنذ ذلك الحين، تسارعت الخطوات على أكثر من مسار:
● 2023: أطلقت الهيئة الاستشارية رفيعة المستوى للأمم المتحدة دعوة لإنشاء نظام عالمي لحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتية التعلم.
● 2024: وفّر كل من “ميثاق المستقبل” و”الميثاق الرقمي العالمي” التفويض السياسي اللازم لصياغة نموذج عالمي للحوكمة، كما اعتمدت الجمعية العامة أول قرار دولي غير ملزم بشأن الذكاء الاصطناعي بتوافق آراء 193 دولة عضواً، داعياً إلى ضمان سلامة الأنظمة وحماية الخصوصية.
● مجلس الأمن: عقد نقاشاً مفتوحاً بعنوان “الذكاء الاصطناعي والسلم والأمن الدوليين”، أجمعت خلاله الدول على أن هذه التقنية تحمل في طياتها فرصاً ومخاطر في آن واحد، مع تأكيد الحاجة الملحّة لوضع حواجز تنظيمية دولية، خصوصاً فيما يخص الأسلحة ذاتية التشغيل والأسلحة النووية.
● يونيو 2026: أصدر الفريق العلمي الدولي المستقل تقريره التحذيري الأول، الذي عُرض على الحكومات في جنيف تمهيداً لانطلاق الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
● يوليوز 2026: انطلق في جنيف “الحوار العالمي الأول للأمم المتحدة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي”، بمشاركة الحكومات وشركات التكنولوجيا والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني. وشدد غوتيريش في كلمته الافتتاحية على أن أي اتفاق دولي مستقبلي يجب أن يكون جديراً بثقة العالم، وأن يضع السلامة، خصوصاً سلامة الأطفال، وحقوق الإنسان في صميم أولوياته، مع بقاء القرار النهائي والمساءلة بيد الإنسان لا الآلة.
وقد اقترح الأمين العام في هذا السياق ما يشبه “تعهداً عالمياً” لحماية الأطفال، يُلزم مطوري الأنظمة بإثبات سلامتها قبل طرحها، ومنع أي تسامح مع استغلال الأطفال عبر هذه التقنيات، إلى جانب الدعوة لتوسيع الاستثمار العام في الذكاء الاصطناعي بالدول النامية لسد فجوة رقمية آخذة في الاتساع.
ثالثاً: عقبات أمام معاهدة ملزمة
رغم هذا الزخم الدبلوماسي، لا تزال الدول الكبرى المالكة لقدرات عسكرية وتقنية متقدمة مترددة في قبول قيود ملزمة قانونياً، خشية أن تُقيّد تفوقها الاستراتيجي أو تمنح خصومها ميزة نسبية. وهذا التردد يجعل التوصل إلى معاهدة دولية شاملة، على غرار معاهدات الحد من الأسلحة النووية أو الكيميائية، أمراً بالغ الصعوبة في المدى المنظور. فما تنتجه الجمعية العامة والحوارات الدولية حتى الآن هو في مجمله وثائق توجيهية وقرارات غير ملزمة، تعكس توافقاً في المبادئ أكثر مما تُرسي التزامات قانونية قابلة للتنفيذ والمساءلة.
خاتمة: مفترق طرق
يقف المجتمع الدولي اليوم عند مفترق طرق: فإما أن يبني، عبر مسارات الأمم المتحدة المتعددة من مجلس الأمن إلى الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، إطاراً قانونياً متماسكاً يُخضع هذه التقنية لمبدأي المسؤولية والمساءلة، أو يترك الفجوة التنظيمية تتسع بالتوازي مع تسارع القدرات التقنية، بما يهدد بإعادة تعريف مفهوم السلم والأمن الدوليين ذاته.
ومع الإعلان عن عقد النسخة الثانية من الحوار العالمي في نيويورك مطلع عام 2027، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستنجح الدول في تحويل التوافق الخطابي إلى التزامات ملزمة، أم ستبقى حوكمة الذكاء الاصطناعي رهينة حسابات القوة والمصالح الوطنية المتضاربة؟



