الوردة الصفراء في الزمالك الفسيحة

بقلم : ديمة الشريف -السعودية
تحت ظلال الأشجار العتيقة التي تمدّ أذرعها كحراسٍ للزمن، كانت الوردة الصفراء تخطو أولى خطواتها في شوارع حي الزمالك العريق. لم تكن مجرد زهرة عابرة، بل كانت قبسة من نور الشمس تائهة في ممرات يمتزج فيها عبق التاريخ بسحر الحاضر.
بدأت رحلتها من شارع “شجرة الدر”، حيث تعانق خضرة الأوراق الكثيفة حمرة الطوب للقصور والفيلات الكلاسيكية. بدت الوردة هناك كأيقونة من التباين البديع؛ لونها الأصفر الفاقع يكسر وقار الأبنية القديمة، ويمنح الأرصفة الرمادية مسحة من الأمل والحيوية. كانت النسمات القادمة من النيل تداعب أوراقها، فتهتز طرباً كأنها تستمع إلى لحن شرقي قديم ينبعث من شرفة إحدى البنايات ذات الطراز الإيطالي.
ومع امتداد المسير، دلفت الوردة إلى زقاق هادئ يضم إحدى المكتبات العتيقة. هناك، استقرت لبرهة فوق طاولة خشبية بجوار فنجان من القهوة وكتاب مفتوح.
بدا المشهد كلوحة زيتية صامتة تختزل فلسفة الزمالك: الهدوء، والثقافة، والجمال الذي لا يحتاج إلى صخب ليعلن عن نفسه. شاركها المارة نظرات الإعجاب، فكل من لمح بريقها الأصفر وسط زحام الأفكار شعر بالدفء يترسب في قلبه.
وحين بدأت الشمس تلملم خيوطها الذهبية، اتجهت الوردة نحو كورنيش “أبو الفدا”.
هناك، عند حافة النيل، التقت الأشعة الآفلة ببتلات الزهرة الصفراء، لينعكس هذا المزيج الساحر على صفحة الماء الراكدة.
في تلك اللحظة، لم تعد الوردة مجرد زهرة في جولة، بل أصبحت قصيدة صامتة تروي حكاية حيٍّ يرفض أن يشيخ، وجمالٍ يتجدد مع كل نبضة في قلب القاهرة.



