Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

المعالم الإبستمولوجية والإبداعية في تجربة الباحث محمد الشتواني.. صيانة التراث الثقافي اللامادي وإحياء الحكاية الشعبية في المغرب

تُمثل تجربة الباحث والشاعر الزجلي محمد الشتواني نموذجاً متميزاً للفاعل الثقافي الأكاديمي الميداني الذي يزاوج بين التفكيك الأنثروبولوجي للموروث الشعبي والممارسة المباشرة لإحيائه في الفضاء العام. تنطلق جهوده العلمية والإبداعية من وعي حاد بالتحديات التي يواجهها التراث الثقافي اللامادي بالمغرب، وفي مقدمتها التسارع الحضري، والتحولات المجتمعية المتلاحقة، وتراجع وسائط الانتقال الشفهي التلقائي بين الأجيال. وفي هذا السياق، يتنزل مشروعه القائم على إعادة امتلاك الشفهية عبر مسارين متوازيين: مسار البحث الأكاديمي والتوثيق الميداني للظواهر العرفية واللغوية، ومسار الإنجاز الفني التفاعلي المتمثل في تنشيط حلقات الحكاية الشعبية في المهرجانات الوطنية والإقليمية، مثل مهرجان “مغرب الحكايات” ومهرجان تيفلت، فضلاً عن التأطير التربوي والتنموي في المتاحف وفضاءات الذاكرة.   

الأنثروبولوجيا الثقافية والتفكيك الأكاديمي للتراث الأمازيغي: قبائل زمور ومفهوم “تاضا” أنموذجاً

يتحدد المحور الأكاديمي الأساسي للباحث محمد الشتواني في سبر أغوار البنيات الاجتماعيّة والثقافية للتراث الأمازيغي بالمغرب، متخذاً من التشكيلات القبائلية بمنطقة زمور (إقليم الخميسات وتيفلت) مجالاً تطبيقياً لاختبار مقولاته الأنثروبولوجية. وتتجلى هذه المقاربة في المنتديات والمؤتمرات الفكرية المنظمة بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وجمعيات المجتمع المدني، حيث ينصب تحليله على الآليات التقليدية للتضامن والتحكيم الاجتماعي.   

يركز الشتواني في دراساته الميدانية على تفكيك مفهوم “تاضا” (Tada) باعتباره مؤسسة عرفية وأخلاقية متكاملة كانت تؤطر العلاقات بين القبائل الأمازيغية. ويُظهر التحليل الأنثروبولوجي الذي يقدمه الباحث أن “تاضا” تجاوزت كونها مجرد حلف عسكري أو اتفاق زمني، لتشكل نسيجاً متكاملاً من الروابط الرمزية والاجتماعية القائمة على القسم والمصاهرة المفترضة والتكافل الاقتصادي.   

المكون التحليلي في دراسات الشتوانيمضامين الطرح العلميالأبعاد الاجتماعية والثقافية الحافة
مفهوم “تاضا” (Tada)تحليل الحلف العرفي ونظام التضامن الأمازيغي التقليدي.ترسيخ السلم الأهلي، التنظيم الذاتي خارج السلطة المركزية، والحماية المتبادلة.
المجال الأنثروبولوجي (زمور)استكشاف الخصوصية الثقافية والرمزية لقبائل منطقة زمور.تثمين الرصيد الشفهي والمادي لمنطقة زمور وإعادة قراءة تاريخها العرفي.
وسائط الانتقال الثقافيتتبع كيفية انتقال القيم العرفية عبر الأجيال الشفهية.مواجهة اندثار الذاكرة الجماعية أمام التغيرات الاجتماعية والتحديث السريع.

ويستنتج الشتواني من خلال دراسة هذا النموذج أن التراث اللامادي الأمازيغي يختزن حلولاً بيداغوجية واجتماعية أثبتت نجاعتها عبر التاريخ في إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار المجتمعي. وبالتالي، فإن إعادة قراءة هذه المفاهيم في الفضاء الأكاديمي المعاصر لا يستهدف الاستغراق في النوستالجيا التاريخية، بل يسعى إلى استخراج القيم التضامنية الأصيلة وتوظيفها في إغناء المقاربات الحديثة للتنمية والتماسك الاجتماعي.   

الحكاية الشعبية وفعل الإحياء الميداني: فرجة “الحلقة” والتواجد في الملتقيات الوطنية

يتجاوز محمد الشتواني حدود التأطير النظري للتراث اللامادي لينتقل إلى ممارسة “الفعل الإحيائي” الميداني من خلال الحكاية الشعبية. وتُعد مشاركاته المتواصلة في التظاهرات المتخصصة بحفظ التراث الشفهي، وعلى رأسها مهرجان “مغرب الحكايات” والمهرجانات الإقليمية كالمهرجان الثقافي والسياحي لتيفلت، تجسيداً عميقاً لمفهوم “الباحث الممارس” الذي ينزل بالمعرفة الأنثروبولوجية إلى الفضاء العمومي.   

تستند رؤية الشتواني للحكاية الشعبية إلى إعادة إحياء فرجة “الحلقة” بصفتها مدرسة شفهية مفتوحة ومجالاً لتفاعل الجمهور المباشر مع الحكواتي. فالقصة الشعبية في ممارسته لا تُقدم بنمط سردي جامد، بل يتم إعادة إنتاجها عبر تقنيات مسرحية وتنشيطية تعتمد على السير الشعبية، والأمثال المأثورة، والحكم التراثية المفعمة بالقيم الحضارية.   

تعتمد الميكانيزمات الإجرائية التي يتبعها الشتواني في عروضه الحكواتية على المحاور الأسلوبية التالية:

  • التجسير اللغوي والرمزي: المزج بين الدارجة المغربية ذات التعبير الموزون والأمازيغية، مما يعكس التعدد الثقافي والتنوع اللغوي للذاكرة المغربية.   
  • التكامل التعبيري مع الفنون الشعبية: إدماج الفرجة القصصية مع الفنون الإيقاعية والموسيقية التراثية، مثل فن “الهيت” الزموري وفنون “أحيدوس”، لبناء عرض فرجي متكامل يجذب مختلف الشرائح العمرية.   
  • التربية الجمالية والأنثروبولوجية: استغلال السرد القصصي لتمرير الرسائل الأخلاقية وتثبيت القيم الوطنية والاجتماعية الأصيلة، مع تعميق وعي الجمهور بأهمية الذاكرة الشفهية.   

إن استعادة ساحات التلقي العمومي عبر حلقات الحكاية تُشكل، وفق الطرح التحليلي للشتواني، أداة حاسمة في صيانة التراث الشفهي؛ إذ إن الحكاية الشعبية عندما تُحكى في الساحة العامة تتحول من مادة متحفية خاملة إلى كائن حي يتجدد بالتفاعل ويتكيف مع متغيرات العصر دون التفريط في جوهره الحضاري.   

التجسير بين الإبداع الزجلي والتوثيق التراثي: ديوان “صابون الخاطر” والأنشطة الأدبية

تتكامل الأبعاد البحثية والحكواتية عند محمد الشتواني مع تجربة شعرية زجلية غنية؛ حيث ينظر إلى الزجل بصفته اللسان الشعري الموثق للهجة المحلية والأنماط التفكيرية الشعبية. وقد أثمرت هذه التجربة إصدار ديوانه الزجلي “صابون الخاطر”، الذي صدر بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة)، وحظي بتظاهرات نقدية وحفلات توقيع احتفت بقيمته الأدبية والأنثروبولوجية.   

ويمثل ديوان “صابون الخاطر” عملية حفر لغوي واستعادة للمصطلحات والسباكات اللفظية العتيقة التي بدأت تتوارى عن الاستعمال اليومي. فالشعر الزجلي لدى الشتواني ليس مجرد نظم استعاري بالعامية، بل هو أداة توثيقية لحفظ الذاكرة الوجدانية للمجتمع المغربي، وتدوين لتفاصيل العيش والاشتغال والطقوس الاجتماعية.   

وتتوسع الحركة الإبداعية للباحث من خلال حضور دائم في الأمسيات الشعرية والتظاهرات الوطنية، من قبيل المهرجان الوطني للزجل ببنسليمان وبوزنيقة، ولقاءات “شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب” (مثل مقهى ماكس بلاص بتيفلت). وتسهم هذه الدينامية في خلق فضاءات بديلة للقراءة والتبادل الأدبي، حيث يلتقي النص الزجلي بالجمهور في الأماكن العامة، مما يسهم في ديمقراطية الثقافة وتوسيع قاعدة المتلقين للموروث الشفهي الأدبي.   

الأبعاد التربوية والتنموية للتراث اللامادي: المتاحف، الذاكرة، والتنمية المحلية

يتجاوز المشهد الفكري لمحمد الشتواني حدود التوثيق والعرض الفني ليتصل مباشرة بالسياسات الثقافية والتنمية المحلية والتنشئة الاجتماعية للناشئة. وتتجلى هذه الأبعاد في الأوراق البحثية والندوات العلمية التي يشارك في تأطيرها بفضاءات الذاكرة التاريخية ودور الشباب.   

التنشئة الاجتماعية والتربية المتحفية

في مداخلته الفكرية المعنونة بـ “دور المتاحف في تربية الناشئة”، التي ألقاها بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف بتعاون بين فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير وجمعية مبادرات للتنمية بتيفلت، طرح الشتواني رؤية متقدمة لوظيفة المؤسسة المتحفية. وبيّن أن المتاحف وفضاءات الذاكرة لا ينبغي أن تظل معارض صامتة للقطع الأثرية، بل يجب تحويلها إلى وسائط تربوية حية تربط التراث المادي بالرصيد اللامادي (كالحكايات التاريخية والروايات الشفهية للمقاومة). ويهدف هذا الربط إلى تشكيل وعي تاريخي لدى الأطفال والشباب يتيح لهم استكشاف حضارتهم بأسلوب تفاعلي حي.   

التراث الثقافي كرافعة للتنمية المحلية

خلال ندوة “دور الثقافة والفنون في التنمية المحلية”، قدم الشتواني قراءة تحليلية لتفاعل المجتمع المحلي مع الموروث الثقافي. وركز على أن الفنون الشعبية والحكايات التراثية تملك قوة رمزية واقتصادية يمكن استثمارها في:   

  1. خلق اقتصاد ثقافي محلي يعتمد على التنشيط السياحي وإبراز هوية المجال الترابي.   
  2. توفير منصات إبداعية للشباب لربطهم بالهوية الوطنية وحمايتهم من الاغتراب الثقافي عبر أدوات رقمية وفنية حديثة.   
  3. تقوية التماسك الاجتماعي من خلال استحضار قيم التضامن التاريخية والاعتزاز بالذاكرة الجماعية.   

السجل المؤسساتي والأكاديمي لمشاركات الباحث محمد الشتواني

تتوزع المحطات الأكاديمية والإبداعية للباحث محمد الشتواني على شبكة واسعة من المؤسسات الوطنية، والقطاعات الحكومية، وجمعيات المجتمع المدني الفاعلة في مجال التراث والثقافة:

التاريخ / الفترةالمؤسسة / الفضاء المنظمطبيعة المشاركة / عنوان المداخلةالأثر العلمي والثقافي
مارس 2024فضاء الذاكرة التاريخية بتيفلت (بدعم وزارة الثقافة)توقيع ديوان “صابون الخاطر” وقراءات زجلية.توثيق المتداول اللفظي الشعبي في قالب زجلي رصين.
فبراير 2025دار المواطن بتيفلت (بالشراكة مع IRCAM)منتدى التراث الأمازيغي: “قبائل زمور ومفهوم تاضا”.تفكيك أنثروبولوجي لبنيات التضامن والعرف الأمازيغي.
مايو 2025فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحريراليوم العالمي للمتاحف: “دور المتاحف في تربية الناشئة”.تأطير التربية المتحفية وربط التراث اللامادي بالذاكرة.
مايو 2025دار الشباب 9 يوليوز بتيفلتندوة “دور الثقافة والفنون في التنمية المحلية”.تحليل الموروث الشعبي كرافعة للتنمية الاقتصادية والمجتمعية.
يوليو 2025الساحة الجديدة بتيفلت (مهرجان تيفلت)إشراف وتنشيط “حلقات الحكاية الشعبية والتراثية”.استعادة فرجة الحلقة ونقل السرد الشفهي للجمهور العام.
محطات منتظمةشبكة المقاهي الثقافية بالمغربقراءات زجلية ولقاءات فكرية بمقاهي ثقافية متفرقة.تنشيط الفضاءات البديلة وتوسيع قاعدة القراء للمتن الزجلي.

الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية

تتكامل في تجربة محمد الشتواني أبعاد الباحث الأكاديمي، والمبدع الزجلي، والحكواتي الميداني، مما يجعله نموذجاً متكاملاً للفاعل الثقافي الذي يسهم في حماية التراث اللامادي من الاندثار. لقد أثبتت مقاربته القائمة على الربط بين التفكيك الأنثروبولوجي (مثل دراسات قبائل زمور ومفهوم تاضا) والإحياء الميداني (حلقات الحكاية في المهرجانات) نجاعتها في نقل التراث من التدوين الصامت إلى ممارسة مجتمعية حية.   

وبناءً على نتائج التفكيك التحليلي لمسار الباحث ومشاركاته المتعددة، يمكن صياغة التوصيات الاستراتيجية التالية لتطوير العمل في مجال التراث اللامادي:

  • توسيع التوثيق الرقمي والأنثروبولوجي: مأسسة عمليات التدوين الميداني للمفاهيم العرفية والحكايات الشعبية في مجالات زمور والمناطق المجاورة عبر منصات رقمية تفاعلية تحفظ النطق والتدفق اللغوي الأصيل.   
  • رد الاعتبار لممارسي الفرجة الشفهية: تقديم الدعم المؤسساتي الدائم للحكواتيين والشعراء الزجاليين، وتخصيص فضاءات قارّة للحلقة في الساحات العمومية والمهرجانات الوطنية والدولية كمهرجان “مغرب الحكايات”.   
  • تفعيل الوساطة المتحفية الشفهية: إدماج الحكايات الشعبية والروايات الشفهية ضمن البرامج التربوية للمتاحف وفضاءات الذاكرة التاريخية لتعزيز ارتباط الناشئة بالهوية الوطنية.   
  • استثمار التراث اللامادي في مخططات التنمية: دمج الموروث الشفهي والفنون الشعبية ضمن استراتيجيات التنمية المحلية والجماعية كصناعة ثقافية وسياحية قائمة بذاتها.   

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button