أخبارالرئيسيةفي الصميم

من أديس أبابا إلى إفريقيا 2026..كيف أعادت الرؤية الملكية رسم معادلات القارة

ألمانيا-منير لكماني

في 31 يناير 2017، لم تكن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي مجرد استعادة لمقعد ظل شاغرا لثلاثة وثلاثين عاما، بل كانت تحولا في موقع المملكة داخل القارة، وانتقالا من سياسة التعاون الثنائي إلى حضور مؤسساتي أكثر تأثيرا. ومنذ تلك اللحظة، أخذت العلاقات المغربية الإفريقية تتجه نحو بناء مصالح مشتركة في مجالات الاستثمار والطاقة والفلاحة والأمن، وهي مجالات أصبحت اليوم في صلب التحديات التي تواجه إفريقيا.

اختصر جلالة الملك محمد السادس عمق هذا التوجه بقوله: «إفريقيا قارتي، وهي أيضا بيتي». لم تكن العبارة وصفا لانتماء جغرافي فحسب، بل تعبيرا عن تصور سياسي يجعل مستقبل المغرب مرتبطا بمستقبل قارته. وقد برزت أهمية هذا التصور مع اشتداد التنافس الدولي على إفريقيا، في وقت تسعى فيه دول القارة إلى حماية مواردها، وتعزيز سيادتها الاقتصادية، وبناء شراكات لا تختزلها في مجرد سوق للمواد الأولية.

لقد سبقت العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنوات من العمل الميداني. فالعلاقات لم تبدأ في أديس أبابا، بل تأسست عبر زيارات ملكية واتفاقيات ومشاريع شملت قطاعات متعددة. ولهذا جاء التأكيد على أن «المغرب لم يعد إلى إفريقيا، لأنه لم يغادرها أبدا» منسجما مع واقع حضور مغربي ظل قائما حتى في فترة الغياب عن المؤسسة القارية. غير أن المرحلة الجديدة منحت هذا الحضور بعدا سياسيا أوسع، وأتاحت للمملكة الدفاع عن رؤيتها من داخل الاتحاد نفسه.

اقتصاديا، قامت المقاربة المغربية على فكرة واضحة: لا يمكن بناء علاقات مستقرة على المساعدات وحدها. فالعبارة الملكية «المغرب يحتاج إلى إفريقيا، وإفريقيا تحتاج إلى المغرب» وضعت أساسا لشراكة تقوم على المنفعة المتبادلة. تحتاج المملكة إلى عمقها القاري وأسواقه وفرصه، فيما تستفيد دول إفريقية من الخبرة المغربية في البنوك والاتصالات والأسمدة والفلاحة والطاقة المتجددة. غير أن نجاح هذا النموذج يظل مرتبطا بقدرته على خلق فرص عمل محلية، ونقل المعرفة، وتحويل الاتفاقيات إلى نتائج يلمسها المواطن الإفريقي.

ويجسد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي هذا الطموح على نحو واضح. فالمشروع لم يقدم بوصفه ممرا لنقل الغاز فقط، بل باعتباره وسيلة لـ «خلق سوق إقليمية للكهرباء» ودعم التصنيع والتنمية. وفي الحاضر، تتجاوز أهميته قضية الطاقة، لأنه يفتح المجال أمام ربط اقتصادات غرب إفريقيا، وتحسين ولوج السكان إلى الكهرباء، وتقوية مكانة الواجهة الأطلسية في التجارة الدولية. ومع ذلك، يظل تنفيذه مرتبطا بتجاوز تحديات التمويل والاستقرار السياسي وتعقيد البنية التحتية العابرة للحدود.

أما الأمن الغذائي، فقد تحول من قضية تنموية إلى مسألة سيادة. وقد عبر جلالة الملك عن ذلك بوضوح حين قال: «لا الغاز ولا البترول بإمكانه تلبية الحاجيات الغذائية الأساسية». وأثبتت الأزمات التي عرفها العالم منذ عام 2020 أن الدول التي لا تتحكم في إنتاجها الزراعي تصبح أكثر عرضة لارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات. من هنا تكتسب الاستثمارات المغربية في الأسمدة والفلاحة المستدامة أهمية تتجاوز بعدها التجاري، لأنها ترتبط بمساعدة الدول الإفريقية على تحسين مردوديتها الزراعية وتقليص تبعيتها للخارج.

ولا يمكن فصل هذه المشاريع عن مسألة الأمن. فمناطق واسعة من الساحل والسودان وشرق الكونغو ما زالت تعاني النزاعات والإرهاب والنزوح، مما يعرقل الاستثمار ويهدد الاستقرار الاجتماعي. لذلك تظل القاعدة القائلة إن «الأمن والاستقرار شرطان أساسيان لتحقيق التنمية» حاضرة بقوة. فالدول لا تستطيع بناء مصانع أو شبكات طاقة أو أنظمة زراعية حديثة في بيئة يسودها العنف وضعف المؤسسات.

وفي مقابل هذه التحديات، يقدم التعاون جنوب-جنوب بديلا يقوم على تبادل الخبرة بدل فرض الوصاية. وقد لخص جلالة الملك هذا المنهج بقوله إن المغرب «يتقاسم ما لديه، دون مباهاة أو تفاخر». وتزداد قيمة هذه المقاربة حين تقترن بمشاريع ملموسة، وتبتعد عن الشعارات، وتحترم أولويات الدول الإفريقية وحقها في اختيار مساراتها التنموية.

بعد تسع سنوات من العودة، لا تبدو سنة 2017 حدثا منفصلا عن الحاضر، بل بداية لمسار ما زال يتشكل. لقد تحولت إفريقيا إلى مجال أساسي في السياسة المغربية، لكن المرحلة المقبلة ستقاس بقدرة المملكة وشركائها على إنجاز المشاريع الكبرى، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتحويل التعاون إلى تنمية عادلة. فالرؤية وحدها لا تكفي؛ قيمتها الحقيقية تظهر حين تصبح الطرق والطاقة والزراعة والتكوين والاستثمار واقعا مشتركا يخدم شعوب القارة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button