رسالة العرش..إلى أفريقيا

بقلم: عبد السلام العزوزي
ليست هناك مناسبات وطنية في المغرب تحمل من الدلالات السياسية والتاريخية ما يحمله عيد العرش. فهو ليس مجرد ذكرى لتولي جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، بل هو لحظة يتجدد فيها ذلك الخيط المتين الذي نسج عبر قرون بين العرش والشعب، حتى أصبح أحد أهم مرتكزات الدولة المغربية واستثنائها التاريخي داخل محيط إقليمي لم يسلم من التقلبات والانكسارات.
وعندما يحيي المغاربة هذه السنة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على العرش، فإنهم لا يستحضرون مسار سبعة وعشرين عامًا من الحكم فحسب، بل يقفون أمام تجربة دولة اختارت أن تبني بهدوء، وأن تُصلح بتدرج، وأن تُراكم الإنجازات بصمت، بعيدًا عن ضجيج الشعارات أو غواية الشعبوية.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الدولة لا تُقاس بما ترفعه من خطابات، وإنما بما تخلقه من مؤسسات، وبما تضمنه من استقرار، وبما توفره من شروط التنمية. فالاستقرار ليس حالة جامدة، بل هو نتيجة سياسات، ورؤية، وثقة متبادلة بين القيادة والشعب. ومن هنا تكتسب المؤسسة الملكية في المغرب خصوصيتها، باعتبارها الضامن لاستمرارية الدولة، ووحدة الوطن، وتوازن المؤسسات، في زمن أصبحت فيه كثير من الدول أسيرة الانقسامات والتجاذبات.
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه الحديث، عنوانها تحديث الدولة دون التفريط في ثوابتها، والانفتاح على العالم دون التفريط في الهوية، وربط التنمية الاقتصادية بالإصلاح الاجتماعي، وجعل الإنسان محور السياسات العمومية.
ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المراقبين اختزال التجربة المغربية في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها. فصحيح أن المملكة أنجزت خلال هذه السنوات مشاريع استراتيجية كبرى، من ميناء طنجة المتوسط، إلى القطار فائق السرعة، مرورًا بالموانئ والطرق السيارة والمناطق الصناعية، والتحول إلى منصة عالمية لصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع تكمن في أنها كانت أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وتغيير موقع المغرب داخل سلاسل الاقتصاد العالمي.
لقد انتقل المغرب من اقتصاد يبحث عن موقعه إلى اقتصاد يصنع لنفسه مكانًا بين القوى الصاعدة، مستفيدًا من الاستقرار السياسي، ومن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ومن إرادة ملكية جعلت الاستثمار في المستقبل خيارًا لا رجعة فيه.
غير أن التحول الأكبر، في تقديري، لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل كان دبلوماسيًا وجيوسياسيًا.
لقد أعاد جلالة الملك محمد السادس تعريف السياسة الخارجية المغربية، ونقلها من منطق ردود الأفعال إلى منطق صناعة المبادرات. وأصبح المغرب يتحدث بلغة المشاريع لا بلغة الاصطفافات، وبمنطق المصالح المشتركة لا بمنطق الصراعات الإيديولوجية.
وفي قلب هذه الرؤية، احتلت إفريقيا مكانة استثنائية.
لم يعد المغرب ينظر إلى القارة باعتبارها مجرد عمق جغرافي، بل باعتبارها فضاءً استراتيجيًا للمستقبل. لذلك لم تكن العودة إلى الاتحاد الإفريقي مجرد استعادة لمقعد مؤسساتي، بل كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة من الحضور المغربي داخل القارة، حضور يقوم على الاقتصاد قبل السياسة، وعلى التنمية قبل الخطاب، وعلى بناء الثقة بدل تصدير الوصاية.
ومن يتأمل خارطة الاستثمارات المغربية في إفريقيا، يدرك أن المملكة لم تذهب إلى القارة بحثًا عن النفوذ التقليدي، بل حملت معها نموذجًا مختلفًا للتعاون جنوب-جنوب، يقوم على تقاسم الخبرات، ونقل التجارب، وتمويل المشاريع، وتكوين الكفاءات، وتعزيز الأمن الغذائي والمالي والطاقي.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الأبناك المغربية، وشركات التأمين، ومؤسسات الاتصالات، ومجموعات الفوسفاط والطاقات المتجددة، إلى فاعلين رئيسيين في الاقتصاد الإفريقي، وأن يصبح المغرب واحدًا من أكبر المستثمرين الأفارقة داخل القارة.
غير أن الرؤية الملكية لم تتوقف عند حدود الاستثمار. فمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ليسا مجرد مشروعين اقتصاديين، بل يعكسان فلسفة سياسية جديدة تعتبر أن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية، وأن فك العزلة عن الشعوب هو الطريق الأقصر لمحاربة التطرف والهشاشة والهجرة غير النظامية.
وهنا تكمن فرادة المقاربة المغربية. فبينما انشغلت قوى دولية كثيرة بإدارة الأزمات الإفريقية، انشغل المغرب بصناعة الحلول الإفريقية.
وبينما كانت بعض القوى تتنافس على مناطق النفوذ، كان المغرب يبني مناطق الثقة.
وبينما ارتبط حضور آخرين بالسلاح والقواعد العسكرية، ارتبط الحضور المغربي بالمستشفى، والجامعة، والمقاولة، والتكوين، والاستثمار. إنها دبلوماسية لا تبحث عن الانتصار على أحد، بل عن الانتصار مع الجميع.
أما داخليًا، فإن أوراش تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتعزيز البنيات التحتية، وتوسيع شبكات الربط الطرقي والسككي، والتحضير لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تعكس أن المغرب لا يشتغل بمنطق تدبير الحاضر فقط، وإنما بمنطق صناعة المستقبل.
ومع ذلك، فإن قوة الدولة لا تعني غياب التحديات. فملفات التشغيل، وجودة التعليم، وترسيخ العدالة المجالية، وتعزيز الحكامة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية، تظل رهانات كبرى تنتظر مزيدًا من الجرأة والسرعة والنجاعة.
غير أن التجارب الناجحة لا تُقاس بعدد المشاكل التي تواجهها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المشاكل إلى أوراش للإصلاح.
إن عيد العرش، في معناه العميق، ليس احتفالًا بمرور الزمن، بل احتفال بقدرة الدولة المغربية على تجديد نفسها، وعلى المحافظة على توازنها، وعلى تحويل الاستقرار إلى رافعة للتنمية، والتنمية إلى مصدر للشرعية، والشرعية إلى قوة ناعمة تتجاوز حدود الوطن نحو الفضاء الإفريقي والدولي.
واليوم، بعد سبعة وعشرين عامًا من الحكم، يمكن القول إن المغرب لم يعد يُعرَّف فقط بما يملكه من تاريخ عريق، بل بما يصنعه من مستقبل.
إنه وطنٌ اختار أن تكون سيادته مقرونة بالتنمية، وأن يكون حضوره الدولي مقرونًا بالمصداقية، وأن يكون انتماؤه الإفريقي فعلًا يوميًا لا شعارًا موسميًا.
ولهذا، فإن عيد العرش ليس مجرد عيد للمغاربة وحدهم، بل هو أيضًا مناسبة تستحق أن يتأملها كل من يبحث في إفريقيا عن نموذج للدولة التي استطاعت، وسط محيط مضطرب، أن تجمع بين الاستقرار والإصلاح، وبين الشرعية والتحديث، وبين الوفاء للتاريخ وصناعة المستقبل.
وهذا، في النهاية، هو سر نجاح التجربة المغربية..وهي الرسالة التي يحملها عيد العرش إلى إفريقيا، وإلى العالم.
رسالة العرش..إلى أفريقيا
بقلم: عبد السلام العزوزي
ليست هناك مناسبات وطنية في المغرب تحمل من الدلالات السياسية والتاريخية ما يحمله عيد العرش. فهو ليس مجرد ذكرى لتولي جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، بل هو لحظة يتجدد فيها ذلك الخيط المتين الذي نسج عبر قرون بين العرش والشعب، حتى أصبح أحد أهم مرتكزات الدولة المغربية واستثنائها التاريخي داخل محيط إقليمي لم يسلم من التقلبات والانكسارات.
وعندما يحيي المغاربة هذه السنة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على العرش، فإنهم لا يستحضرون مسار سبعة وعشرين عامًا من الحكم فحسب، بل يقفون أمام تجربة دولة اختارت أن تبني بهدوء، وأن تُصلح بتدرج، وأن تُراكم الإنجازات بصمت، بعيدًا عن ضجيج الشعارات أو غواية الشعبوية.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الدولة لا تُقاس بما ترفعه من خطابات، وإنما بما تخلقه من مؤسسات، وبما تضمنه من استقرار، وبما توفره من شروط التنمية. فالاستقرار ليس حالة جامدة، بل هو نتيجة سياسات، ورؤية، وثقة متبادلة بين القيادة والشعب. ومن هنا تكتسب المؤسسة الملكية في المغرب خصوصيتها، باعتبارها الضامن لاستمرارية الدولة، ووحدة الوطن، وتوازن المؤسسات، في زمن أصبحت فيه كثير من الدول أسيرة الانقسامات والتجاذبات.
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه الحديث، عنوانها تحديث الدولة دون التفريط في ثوابتها، والانفتاح على العالم دون التفريط في الهوية، وربط التنمية الاقتصادية بالإصلاح الاجتماعي، وجعل الإنسان محور السياسات العمومية.
ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المراقبين اختزال التجربة المغربية في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها. فصحيح أن المملكة أنجزت خلال هذه السنوات مشاريع استراتيجية كبرى، من ميناء طنجة المتوسط، إلى القطار فائق السرعة، مرورًا بالموانئ والطرق السيارة والمناطق الصناعية، والتحول إلى منصة عالمية لصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع تكمن في أنها كانت أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وتغيير موقع المغرب داخل سلاسل الاقتصاد العالمي.
لقد انتقل المغرب من اقتصاد يبحث عن موقعه إلى اقتصاد يصنع لنفسه مكانًا بين القوى الصاعدة، مستفيدًا من الاستقرار السياسي، ومن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ومن إرادة ملكية جعلت الاستثمار في المستقبل خيارًا لا رجعة فيه. غير أن التحول الأكبر، في تقديري، لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل كان دبلوماسيًا وجيوسياسيًا.
لقد أعاد جلالة الملك محمد السادس تعريف السياسة الخارجية المغربية، ونقلها من منطق ردود الأفعال إلى منطق صناعة المبادرات. وأصبح المغرب يتحدث بلغة المشاريع لا بلغة الاصطفافات، وبمنطق المصالح المشتركة لا بمنطق الصراعات الإيديولوجية. وفي قلب هذه الرؤية، احتلت إفريقيا مكانة استثنائية.
لم يعد المغرب ينظر إلى القارة باعتبارها مجرد عمق جغرافي، بل باعتبارها فضاءً استراتيجيًا للمستقبل. لذلك لم تكن العودة إلى الاتحاد الإفريقي مجرد استعادة لمقعد مؤسساتي، بل كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة من الحضور المغربي داخل القارة، حضور يقوم على الاقتصاد قبل السياسة، وعلى التنمية قبل الخطاب، وعلى بناء الثقة بدل تصدير الوصاية.
ومن يتأمل خارطة الاستثمارات المغربية في إفريقيا، يدرك أن المملكة لم تذهب إلى القارة بحثًا عن النفوذ التقليدي، بل حملت معها نموذجًا مختلفًا للتعاون جنوب-جنوب، يقوم على تقاسم الخبرات، ونقل التجارب، وتمويل المشاريع، وتكوين الكفاءات، وتعزيز الأمن الغذائي والمالي والطاقي.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الأبناك المغربية، وشركات التأمين، ومؤسسات الاتصالات، ومجموعات الفوسفاط والطاقات المتجددة، إلى فاعلين رئيسيين في الاقتصاد الإفريقي، وأن يصبح المغرب واحدًا من أكبر المستثمرين الأفارقة داخل القارة.
غير أن الرؤية الملكية لم تتوقف عند حدود الاستثمار. فمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ليسا مجرد مشروعين اقتصاديين، بل يعكسان فلسفة سياسية جديدة تعتبر أن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية، وأن فك العزلة عن الشعوب هو الطريق الأقصر لمحاربة التطرف والهشاشة والهجرة غير النظامية.
وهنا تكمن فرادة المقاربة المغربية. فبينما انشغلت قوى دولية كثيرة بإدارة الأزمات الإفريقية، انشغل المغرب بصناعة الحلول الإفريقية.
وبينما كانت بعض القوى تتنافس على مناطق النفوذ، كان المغرب يبني مناطق الثقة. وفي الوقت الذي ارتبط فيه حضور آخرين بالسلاح والقواعد العسكرية، ارتبط الحضور المغربي بالمستشفى، والجامعة، والمقاولة، والتكوين، والاستثمار. إنها دبلوماسية لا تبحث عن الانتصار على أحد، بل عن الانتصار مع الجميع.
أما داخليًا، فإن أوراش تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتعزيز البنيات التحتية، وتوسيع شبكات الربط الطرقي والسككي، والتحضير لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تعكس أن المغرب لا يشتغل بمنطق تدبير الحاضر فقط، وإنما بمنطق صناعة المستقبل.
ومع ذلك، فإن قوة الدولة لا تعني غياب التحديات. فملفات التشغيل، وجودة التعليم، وترسيخ العدالة المجالية، وتعزيز الحكامة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية، تظل رهانات كبرى تنتظر مزيدًا من الجرأة والسرعة والنجاعة.
غير أن التجارب الناجحة لا تُقاس بعدد المشاكل التي تواجهها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المشاكل إلى أوراش للإصلاح.
إن عيد العرش، في معناه العميق، ليس احتفالًا بمرور الزمن، بل احتفال بقدرة الدولة المغربية على تجديد نفسها، وعلى المحافظة على توازنها، وعلى تحويل الاستقرار إلى رافعة للتنمية، والتنمية إلى مصدر للشرعية، والشرعية إلى قوة ناعمة تتجاوز حدود الوطن نحو الفضاء الإفريقي والدولي.
واليوم، بعد سبعة وعشرين عامًا من الحكم، يمكن القول إن المغرب لم يعد يُعرَّف فقط بما يملكه من تاريخ عريق، بل بما يصنعه من مستقبل.
إنه وطنٌ اختار أن تكون سيادته مقرونة بالتنمية، وأن يكون حضوره الدولي مقرونًا بالمصداقية، وأن يكون انتماؤه الإفريقي فعلًا يوميًا لا شعارًا موسميًا.
ولهذا، فإن عيد العرش ليس مجرد عيد للمغاربة وحدهم، بل هو أيضًا مناسبة تستحق أن يتأملها كل من يبحث في إفريقيا عن نموذج للدولة التي استطاعت، وسط محيط مضطرب، أن تجمع بين الاستقرار والإصلاح، وبين الشرعية والتحديث، وبين الوفاء للتاريخ وصناعة المستقبل.
وهذا، في النهاية، هو سر نجاح التجربة المغربية..وهي الرسالة التي يحملها عيد العرش إلى إفريقيا، وإلى العالم.



