البرمجة في عهد بلقشور.. حين يتحول انتظار الرزنامة إلى هاجس للأندية

مع اقتراب موعد انطلاق منافسات البطولة الاحترافية إنوي للقسم الأول، المقرر في 24 شتنبر الجاري، يعود ملف البرمجة إلى الواجهة من جديد، بعدما وجدت الأندية نفسها، على بُعد أيام قليلة من بداية الموسم، في انتظار الإعلان عن برنامج الجولات الأولى.
وتطرح هذه الوضعية تساؤلات عديدة حول آليات تدبير البرمجة داخل العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، خصوصًا أن تحديد مواعيد المباريات لا يرتبط فقط بالجانب الرياضي، وإنما يشكل عنصرًا أساسيًا في التخطيط الإداري واللوجستي للأندية.
فالأندية تحتاج إلى معرفة مواعيد مبارياتها بوقت كافٍ من أجل ضبط برامجها التدريبية، وترتيب تنقلاتها، وحجز أماكن الإقامة، وتنظيم التزاماتها التجارية والإعلامية، فضلًا عن تنسيق مشاركات الأندية التي تخوض منافسات قارية بالتوازي مع البطولة الوطنية.
المثير في الموضوع أن تأخر الإعلان عن البرمجة لم يعد حالة استثنائية مرتبطة بظرف معين، بل أصبح، وفق انتقادات متكررة من داخل محيط البطولة، واحدًا من الملفات التي تعود إلى الواجهة مع بداية كل موسم.
وخلال فترة رئاسة عبد السلام بلقشور للعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، ظل ملف البرمجة حاضرًا في النقاش العمومي والرياضي، في ظل تسجيل حالات تأخر في تحديد مواعيد بعض المباريات، إلى جانب تغييرات وتأجيلات أثرت في أكثر من مناسبة على رزنامة المنافسات.
ولا يتعلق الأمر هنا بمباراة بعينها أو بجولة محددة، وإنما بسؤال أوسع يرتبط بمدى قدرة الجهاز المشرف على البطولة على وضع رزنامة واضحة ومستقرة، تمنح الأندية هامشًا كافيًا للتخطيط بدل إبقائها في حالة انتظار مستمرة.
الحديث عن تطوير كرة القدم الوطنية والارتقاء بالبطولة إلى مستويات أعلى من الاحتراف لا يرتبط فقط بالبنيات التحتية، والاستثمارات، وجودة الملاعب، وارتفاع قيمة العقود، وإنما يشمل أيضًا التفاصيل التنظيمية التي تبدو بسيطة، لكنها تؤثر بشكل مباشر في العمل اليومي للأندية.
فالاحتراف الحقيقي يفترض أن تكون المعلومة متاحة في الوقت المناسب، وأن تتمكن الأندية من بناء برامجها على أساس رزنامة واضحة وقابلة للتنفيذ، مع تقليص التغييرات المفاجئة إلى الحالات الضرورية التي تفرضها ظروف استثنائية.
وفي بطولة تضم أندية كبيرة مثل الوداد والرجاء والجيش الملكي والمغرب الفاسي، إلى جانب فرق أخرى لها التزامات وطنية وقارية، تصبح البرمجة الدقيقة أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنها جزء من منظومة العمل الاحترافي.
لا شك أن إعداد رزنامة البطولة ليس مهمة بسيطة، بالنظر إلى تعدد الإكراهات المرتبطة بالملاعب، والأمن، والنقل التلفزي، والمشاركات القارية، إضافة إلى التزامات المنتخبات الوطنية وغيرها من العوامل.
لكن هذه الإكراهات نفسها تجعل التخطيط المبكر أكثر ضرورة، وليس أقل أهمية.
فكلما تأخر الإعلان عن البرنامج، تقلص هامش المناورة أمام الأندية، وأصبح أي تغيير جديد كفيلًا بإرباك برامجها التقنية واللوجستية.
ومن هنا يبرز السؤال: هل المطلوب فقط الإعلان عن البرمجة، أم وضع منظومة قادرة على استشراف مختلف الإكراهات قبل بداية الموسم، وتقديم رزنامة تمنح الأندية أكبر قدر ممكن من الاستقرار؟
مع اقتراب انطلاق موسم جديد، يتجدد السؤال الذي ظل حاضرًا في السنوات الأخيرة: متى تصبح برمجة البطولة الوطنية عملية استباقية ومنظمة، بدل أن تظل مرتبطة بالانتظار والتعديلات المتكررة؟
فالارتقاء بمستوى البطولة لا يتحقق بالعناوين الكبرى وحدها، وإنما يبدأ من التفاصيل اليومية التي تهم الأندية واللاعبين والجماهير على حد سواء.
وفي نهاية المطاف، لا تطلب الأندية المستحيل؛ إنها تحتاج فقط إلى معرفة متى وأين ستلعب، وبوقت يسمح لها بالاستعداد كما ينبغي.
ويبقى نجاح الموسم الكروي المقبل مرتبطًا، ضمن عوامل أخرى، بمدى قدرة العصبة على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في البرمجة، وتحويل هذا الملف من مصدر متكرر للانتقاد إلى نموذج في التنظيم والاحتراف.



