Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

بشرى حسني.. حين يختار آلاف الشباب البحر… لا يكفي أن نلوم الإشاعة أو نرفع الأسوار

كل يوم، تبتلع أجساد وتدفن أحلام عند شواطئ سبتة، لكن ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة لم يكن مجرد محاولة عابرة للهجرة غير النظامية، ولا يمكن اختزاله فقط في إشاعة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في استغلال شبكات الاتجار بالبشر لقرار قضائي إسباني.
قد تكون الإشاعة هي الشرارة لكنها لم تصنع اليأس!!! لقد وجدت أمامها شبابا أنهكته البطالة، وأسرا أضعفتها تكاليف المعيشة، ومناطق لم تستفد بالقدر الكافي من التنمية، وجيلا يشعر بأن سنوات الدراسة والانتظار لا تفتح أمامه أبواب الشغل والاستقرار والعيش الكريم.
عندما تبلغ بطالة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة حوالي 37.2%، وعندما يوجد نحو 2.9 مليون شاب مغربي بين 15 و29 سنة خارج العمل والدراسة والتكوين!!! فإننا لم نعد أمام حالات فردية معزولة، بل أمام إنذار اجتماعي حقيقي.
هذه الأرقام ليست دعاية معارضة، بل معطيات رسمية ينبغي أن تدفع الحكومة إلى المساءلة والمراجعة. ومن حقنا أن نسأل الحكومة بوضوح:

  • كيف وصلنا إلى وضع يرى فيه بعض شبابنا أن السباحة لساعات في مياه خطرة أرحم من انتظار فرصة داخل وطنهم؟
  • أين هي نجاعة سياسات التشغيل والإدماج الاقتصادي؟
  • لماذا لم تنجح برامج التكوين في بناء جسر حقيقي نحو سوق الشغل؟
  • ولماذا يشعر جزء من الشباب بأن مستقبله يوجد خلف السياج، لا داخل بلده؟

لا يمكن للحكومة أن تختزل جوابها في المقاربة الأمنية، أو أن تعتبر منع محاولات العبور نجاحا كافيا. حماية الحدود واجب، وحماية الأرواح ضرورة، لكن المسؤولية السياسية الأعمق هي منع الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوف أصلا أمام تلك الحدود. الأمن لا يبدأ عند السياج، بل يبدأ من المدرسة العمومية الجيدة، ومن المستشفى الذي يحفظ الكرامة، ومن فرصة الشغل، ومن العدالة المجالية، ومن الثقة في المؤسسات، ومن شعور الشاب بأن له مكانا حقيقيا في وطنه.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه المأساة عن الوضع التاريخي والسياسي لسبتة ومليلية، فالمدينتان ليستا بالنسبة إلينا كمغاربة حدودا أوروبية طبيعية، أبدا، بل مدينتان مغربيتان محتلتان، وقضية سيادة وطنية لم يغلق ملفها مهما طال الزمن.
واستمرار جيبين خاضعين للسيادة الإسبانية داخل التراب المغربي يخلق وضعا جغرافيا استثنائيا، ويجعل الوصول البري إلى المجال الأوروبي ممكنا عبر بضعة أمتار من البحر أو سياج محدود، وهو ما يحول المنطقة باستمرار إلى نقطة جذب للهجرة وشبكات الاتجار بالبشر والتوترات الأمنية.
لكن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء الحكومة المغربية من مسؤوليتها، استرجاع المدينتين حق تاريخي وسيادي، لكنه لن يعالج وحده البطالة أو الهشاشة أو فقدان الثقة. كما أن تحميل الشباب وحدهم المسؤولية، أو وصفهم بالمغامرين والمخالفين، لا يجيب عن السؤال الأصعب، ما الذي جعل كل هذا العدد مستعدا لترك وطنه دفعة واحدة؟

الصور الأخيرة يجب ألا تقرأ فقط باعتبارها أزمة حدودية بين المغرب وإسبانيا، بل باعتبارها رسالة سياسية واجتماعية قاسية إلى الحكومة، رسالة تقول إن مؤشرات الاستثمار والخطب والبرامج لا تكفي إن لم يلمس الشباب أثرها في حياتهم، وإن الدولة الاجتماعية لا تقاس بالشعارات، بل بقدرتها على منح المواطن الأمل والكرامة والفرصة.

إلى الحكومة المغربية نقول:
حماية الحدود ضرورية، لكن حماية الأمل داخل الوطن أكثر إلحاحا.

وإلى إسبانيا نقول:
لا يمكن بناء أمن مستدام بالأسلاك الشائكة وحدها، ولا يمكن اعتبار وضع استعماري قائم منذ قرون قدرا أبديا خارج النقاش

المطلوب هو سياسة مغربية جادة تعيد الثقة إلى الشباب، وحوار مغربي إسباني شجاع ومسؤول يعالج الملفات التاريخية في إطار الاحترام المتبادل وحسن الجوار.

فالهجرة ليست مجرد حركة أجساد نحو الضفة الأخرى؛ إنها أحيانا تصويت صامت ضد واقع لم يعد يقنع أصحابه

والسؤال الذي يجب ألا تهرب منه الحكومة هو: لماذا أصبح البحر، بكل مخاطره، أكثر إقناعا لبعض شبابنا من البقاء في وطنهم؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button