Hot eventsأخبارأخبار سريعةمجتمع

المجلس الاقتصادي والرشد الرقمي: من يحرس الطفولة في زمن الخوارزميات؟


ألمانيا : منير لكماني

أخطر ما في الهاتف الذي يستقر بين يدي الطفل أنه لا يبدو خطرا. شاشة صغيرة، وألوان مبهجة، وأصدقاء يتكلمون من بعيد؛ غير أن وراء هذا المشهد البريء عالما يراقب النظرات والاختيارات، ويحصي لحظات التردد، ثم يصوغ لكل مستخدم مسارا لا يقوده دائما إلى ما يبحث عنه، بل إلى ما يبقيه أطول وقت أمام الشاشة. وهنا تبدأ المسألة شأنا تربويا، قبل أن تتحول سريعا إلى سؤال قانوني وأخلاقي: من يحمي الطفل حين تصبح الخوارزمية أكثر معرفة بميوله من أسرته؟

في هذا السياق، أعاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مسألة الرشد الرقمي إلى واجهة النقاش، باقتراح تحديد سن تنظم استقلال القاصر داخل الفضاء الرقمي. وفي البرلمان، حضرت القضية من خلال مقترحات تشريعية تلتقي عند سن السادسة عشرة، لكنها تختلف في تصورها للحماية؛ فبين مقاربة تربط المسألة بموافقة القاصر على معالجة بياناته الشخصية، وأخرى تتجه إلى تقييد ولوجه إلى بعض شبكات التواصل، يتضح أن الخلاف يتجاوز سؤال السن إلى سؤال أعمق: ما الذي ينبغي حمايته تحديدا؟ بيانات الطفل، أم حقه في الولوج، أم تجربته داخل المنصة نفسها؟ وهنا يصبح النقاش متعلقا أيضا بحدود مسؤولية الأسرة، وسلطة المنصات، ودور القانون.

وهذا الاختلاف ليس تفصيلا تقنيا، بل يكشف اختلافا في فلسفة الحماية. فثمة فرق بين حماية بيانات الطفل، ومنعه من إنشاء حساب، وحمايته بعد دخوله إلى المنصة. كما أن ربط المنع بأسماء منصات بعينها، مثل Facebook وInstagram وTikTok، قد يجعل التشريع متجاوزا سريعا، لأن المنصات تتغير أسرع من القوانين، ولأن الخطر لا يقيم في اسم تجاري، بل في ممارسات محددة: التواصل مع الغرباء، والنشر المفتوح، والتتبع المستمر، والإعلانات الموجهة، وأنظمة التوصية المصممة لجذب الانتباه.

وتكشف التجارب الدولية أن الطريق إلى حماية القاصرين ليس واحدا. فقد اختارت أستراليا السادسة عشرة، وحددت فرنسا الخامسة عشرة سنا مرجعيا في بعض جوانب الاستقلال الرقمي، بينما ربط الاتحاد الأوروبي المسألة أساسا بالموافقة على معالجة البيانات الشخصية. أما بريطانيا، فاتجهت إلى إلزام المنصات بتصميم خدمات أكثر أمنا وخصوصية للقاصرين. ولا يصلح أي نموذج منها للاستنساخ الحرفي، لأن القانون يعمل داخل مجتمع تحدد ثقافته الرقمية ووعي أسرته وكفاءة مؤسساته فرص نجاحه.

لذلك يبدو نظام الحماية المتدرجة أكثر واقعية. فلا يسمح لمن هم دون الثالثة عشرة بإنشاء حسابات مستقلة على المنصات الاجتماعية عالية المخاطر، من دون حرمانهم من الخدمات التعليمية والصحية والمنصات المصممة للأطفال. وبين الثالثة عشرة والسادسة عشرة يمكن إتاحة الحساب بموافقة موثقة من ولي الأمر، ثم يمنح القاصر استقلالا أكبر عند السادسة عشرة، مع استمرار الحماية القانونية إلى حدود الثامنة عشرة.

لكن تحديد السن لن يحل المشكلة إذا بقيت المنصة حرة في تشكيل سلوك القاصر. لذلك ينبغي أن تكون حسابات الأطفال خاصة تلقائيا، وأن يعطل تحديد الموقع الجغرافي، وتقيد رسائل الغرباء، وتوقف الإشعارات الليلية، وتمنع الإعلانات المبنية على تحليل شخصية الطفل أو حالته النفسية. كما ينبغي إلزام المنصات بآليات فعالة للتبليغ عن التحرش والابتزاز والاستدراج، وتمكين الأسرة من طلب تعليق الحساب عند ظهور خطر جدي.

وتبقى مسألة التحقق من العمر من أعقد حلقات النقاش. فالحماية لا ينبغي أن تتحول إلى باب لجمع مزيد من البيانات الحساسة. ويمكن التفكير في بوابة مستقلة تتحقق من الفئة العمرية، ثم ترسل إلى المنصة إشارة رقمية مشفرة من دون كشف الاسم أو رقم الهوية أو تاريخ الميلاد الكامل، مع إتلاف بيانات التحقق وضمان حق الاعتراض عند الخطأ.

ويبقى التنفيذ الامتحان الحقيقي لأي تشريع. فالنص يحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات المعنية بحماية المعطيات والاتصالات والطفولة، وإلى جزاءات قادرة على ردع المنصات الكبرى. أما الطفل ووالداه، فلا ينبغي أن يكونا موضع العقاب، بل الطرف الذي تمنح له المعرفة ووسائل الوقاية والتبليغ والدعم.

ليس المطلوب بناء جدار بين الناشئة والعصر؛ فالجدران العالية لا تلغي الفضول، وإنما تدفعه إلى أبواب أكثر خفاء. المطلوب نافذة آمنة على العالم، يحرسها القانون، وترافقها الأسرة، وتضيئها المدرسة بالمعرفة والوعي النقدي. عندئذ لا يكون الرشد الرقمي رقما باردا في مادة قانونية، بل وعدا بألا تترك الطفولة وحيدة أمام سوق عالمية تتغذى من الانتباه والأسرار، وتستنزف براءة الصغار بصمت.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button