دراسة ” دلالة النار في المجموعة الشعرية: بحار جبل قاف” للشاعر المغربي محمد السرغيني

” هذه الدراسة أعيد نشرها،إكراما لروح الشاعر المغربي محمد السرغيني الذي وافته المنية اليوم14/08/2026 .
ذ: خالد عبداللطيف
تجسد المجموعة الشعرية” بحار جبل قاف” عملا شعريا متميزا لدى الشاعر المغربي محمد السرغيني،وتنهض هذه القصائد على دعامتين:
- بلاغة الغموض.
- حداثة شعرية شمولية تتغيا آلية جلب القارئ وبالتالي تحفيزه على السمو الى مستوى الشاعر.
وقصائد الديوان لاتمنح نفسها للقارئ بسهولة،بل تحتاج إلى إعمال الفكروتنشيط العقل،والتسلح بأدوات معرفية واسعة لفهم هذه القصائد.
” بحار جبل قاف ” قصائد تمتلك خصوصية التمنع والحصانة،وبداخلها تتحرك ذوات وطبائع،ورؤى مختلفة تتحاور فيما بينها في تآلف تارة،وتتنافر تارة أخرى،إنها بصيغة أخرى مجموعة تختار لغتها الشعرية من معجم الموت والدم،والخيبة والنكسة والإيروسية،وتتمازج هذه التيمات تارة،وتتلاقح تارة أخرى،ويستبد بها الكبرياء والغرور فتستعصي على القارئ.ويصبح من الصعب عليه إيجاد دلالة صريحة للنصوص الملقاة بين يديه.
” بحار جبل قاف ” اسم على مسمى،فالبحار من الصعب تحديها،والجبال ليس من السهولة بمكان تسلقها أو الصعود إليها.فالجبال والبحار وجهان لعملة واحدة وترمز للقوة والمناعة والصلابة والخطر.
والعنوان في حدذاته يشي بدلالات متعددة ويشعر القارئ بالرهبة قبل الرغبة،وبالإحجام قبل الإقدام،وبالتريث قبل الإقتحام وبالثبات قبل الحركة.
تنهض المجموعة الشعرية عل امتلاك عدة خصائص شعرية نذكر منها:
1/ رؤيا شعرية مفتوحة على أكثر من دلالة.
2/ صور شعرية متنوعة.
3/ توظيف الرمز والثرات والقناع بقوة.
4/ اعتبار التناص خصيصية جوهرية في الشعر.
5/كثافة الإنزياحات والإيقاعات والإيحاءات.
6/اسثتمار التاريخ والقرآن الكريم والأسطورة في قالب فني متميز.
تراهن المجموعة الشعرية على اعتبار المعنى في القصيدة يحتاج الى معنى المعتى،لتوسيع الرؤية الشعرية وتجاوز النمطية في التعبير وخلق أشكال شعرية جديدة تتميز بطرح بدائل في التفكير،وقوانين التفكيرعن طريق أسئلة ماكرة وهادفة وحقيقية.
فالمجموعة تعتبركل قصيدة على حدة تؤسس لسؤال الذات وسؤال الوجود،وسؤال الحداثة.
في “بحارجبل قاف ” أسئلة مستفزة ومشوشة وفاعلة في قوله:
كيف تلبس الشهامة شراهتين تحكيان صولة الأسد؟ ( 1 )
أو قوله:
يابائعة المعاطف الحريرأين يبدأ الرجل
فيك ضجره؟ ( 2 )
أو في قوله:
يوم عيد النحر؟ لا.
بكذب النهر على الشباك؟ لا
برغوة الإمان في الحواس؟ لا ( 3 )
لنتأمل هذه الأسئلة الغامضة/الماكرة/الملغومة،إنها نتاج ثقافة فلسفية لدى محمد السرغيني،تتأرجح بين الخطاب الصريح والخطا الضمني،وتتحكم وتتميزبكل قوة بمعجم قوي وعميق يمتد بهاره الى كيمياء الأشياء،وفيزياء الطبيعة،وقوانين البحر والبر والفضاء والحيوانات.
إن اللغة الشعرية عند محمد الشعرية يمكن اعتبارها باليقين المطلق لغة القناص الذي يعرف ماذا يريد بالضبط،وكله ثقة بأنه لن يخطئ التسديد.
- ” دلالة النار في المجموعة الشعرية:” بحار جبل قاف ” للشاعر المغربي محمد السرغيني.
تمثل تيمة النارفي المجموعة الشعرية” بحار جبل قاف ” أنموذجا حيا للتعبير على أن توظيف الشاعرللنار هو تعبير عن مجموعة من القضايا الساخنة الملتهبة التي تعرفه الساحة العربية على مستوى الفكر والسياسة والثقافة والتاريخ.
والنار قبل أن تكون مفهوما عاديا للتأجج والإحتراق،هي رؤيا للكون والإنسان وللطبيعة في نظر الشاعر،وهي ايضا انبعاث للحياة كما يفعل طائر الفينيق الذي ينتفض من الرماد ليحيا من جديد،حياة متجددة وقوية وصاخبة.
يقول الشاعر:
دجن الناروالوجاق وأبقى
نفسا واحدا يجربه النارإلى قرصه. ( 4 )
بالنار تجرب الأشياء والمعادن،وبالنار تكتشف المواقف،وتختبر النفوس فيقدرتها على احتمال المكاره والمصائب،فالنار داء ودواء في نفس الوقت،فآخر العلاج الكي كما يقال،وآخر الآمال الإحتراق،فالنارتتميز بقدرتها على تشكيل الأشياء وإعادة صياغتها.
وبالنارتصقل المعادن وتصهر،ولعل في أمثلتنا المغربية خير دليل( ضرب لحديد ماحدو سخون ) تعبيرا عن استغلال النار مادامت متوهجة وحارقة.
يقول الشاعر:
ليس عيبا أن تكبر النار بالنار.
( زرادشت في إهاب زرادشت )
تماهى الرماد في رحم أخرى: جنين
مستخلص من بقاياه.رياح ( 5 )
فالنار تلتهم ماحواليها،ولاتبقي على الأخضر واليابس،والنار تكبر بالنار،تزحف بسرعة،كل شيء يشتعل بالداخل كما النار،وزرادشت الحكيم،يتقد معرفة،ويشتعل قويا ومتوهجا .
زرادشت رمز الحكمة والفلسفة،منه تنبع الأفكار الحرة والمتوقدة،والنار رمز الإشتعال منها : التدفئة والطبخ والطهي وفوائد أخرى.
للنار بعد الخمود رماد،لكنه متجدد كلما نفخنا فيه،يكبر ويشتعل ويخرج من رحمه نارا قوية مشتعلة،إنها النار/الفينيق. النار/المتوهجة.النار/ المنصهرة. النار/ المقدسة.
يقول الشاعر:
كل عضو بنسبة الضد للضد
( كبار النفوس كالشمع ذابوا ) عيبها بردها.
وما قتل النار سوى رائها ونون الوقاية،
ومراث لفظية.
أيها النار كوني شفرة مرت الأسامي عليها،
واستمدت منها البقاء ( 6 )
النار تشبه الشمعة،تشتعل لكي تضيء ماحواليها،تقدم نفسها خدمة للإنسان،فالنار بالرغم من قوتها وامتداداتها اللامتناهية،فهي عند تجاوزها للخطوط الحمراء،حين تصبح خطرا يتم وأدها في مهدها،والماء قابض روحها،هو من ينتزع روحها المرحة،ويطفئ ألسنة لهيبها المتلألئة،بموت رائها ونون الوقاية،لاتبقى لديها مناعة على المقاومة والخلود،توهجها يمنح الخلود للكائنات،يمدها بالحياة،ويعدها بالعيش السرمدي،في حين تتضاءل هي وتفنى.
إنها روح معذبة تموت لتعيش باقي الكائنات وتنضاف الى سجل العائشين والى الأبد.
يقول الشاعر:
غموض في حباب الفنجان
( لم تنضج النار)
عريف يطل من شرفة الليل:
تنام البيوت في صخب الوصل وأمن الفوضى.
(ولم تنضج النار). ( 7 )
يرى الشاعر أن الفنجان يلفه الغموض كما الجريمة المستعصية على المحققين،والنار وحدها تكشف التباس الفنجان،وتكشف عن غرابته وغموضه،فالنار تغسل كل شيء،وتطهر الجروح من دائها المستعصي،كل شيء حول النار صاخب ومتحول،هي وحدها المتعالية الشامخة التي تحمل سر الوجود والحياة،مثلما يحمل الشاعر معه كينونته وأحلامه،آماله وآلامه،انفراجه وانفجاره،استيهاماته وأوهامه.
لاشيء يتحقق ويتحول،إن لم تنضج النارويعم الكون الصخب والتجدد والحياة.
يقول الشاعر:
وأبرد منه
إصبع النار.
نسبة الرفع للصلب ولاء
بإليتين ورأس هرمي.
يكون ثمة نهر. ( 8 )
ماتبقى من النار يتحول الى برد وسلام،النار تحتضر مع نهاية كل وجبة،هي تطلب المزيد بتشكلها ونتوءاتها،بحرها وحرارتها،برأسه الهرمي الشامخ الذي يتعالى في السماء،وبغير الزاد تضمحل وتخبو وتتضاءل وتموت.
تصاعدها للأعالي يشبه نهرا جارفا يهرب للأمام،إلا ان النهر يجري في اتجاه أفقي،والنار تصعد للأعلى بشكل عمودي شاقولي.
النهر يطلب الإمتداد بين الأمكنة،والنار تنشد العلا والسمو والإرتفاع،انها روح ثعبان تمتد بعنقها للمس قرص السمس أو الإرتفاع في عنان السماء.
يقول محمد السرغيني:
ألسنة النار تقول الوجوه:
فحم كلام،ورماد غطاؤه.ولها في الأثير
وشوشة تورق في آخر المسافة.حبل
متناه بداخل البيت، ( 9 )
للنار أعضاء كم الإنسان،لسانها الطويل الذي يلتهم كل شيء،وجسمها المتراقص في الفضاء،وأرجلها الراسخة في جذور الأرض،هي امتلاك حقيقي للتحول نحو الأحسن،لاشيء يمحي القاذورات من على وجه الارض غير النار،إنها بصيغة أخرى شكل آخر من أشكال التطهيروالطهارة .
يقول الشاعر:
الفجيعة بكر،وصداق البكر المؤخر نار بتقاليدها.
وآنس نارا بكمالين،ولو أنه أشار إليها لتماهى بها. ( 10 )
لقد ظلت النار عبر العصور والحقب التاريخية مجالا خصبا للدراسة والتحليل،والشاعر من خلال هذا المقطع أراد أن يبرهن لنا على فرضية اعتبار النار تتماهى مع كل شيء،وتتمادى مع كل تحول،وتتكيف مع كل عصر،فإن كان الحدث صغيرا،كانت النار أصغر،وإن كان الحدث كبيرا،كانت النار أعتى وأشرس.
في تاريخ البشرية،وبعد انقضاء العصر الحجري الأول،كان ظهور النارواكتشافها من أبهى وأجمل وأكبر الأحداث التي عرفتها البشرية،فالنار آنذاك عبرت عن تحقيق الكثير من أحلام الإنسان منها:
أ: بالنار منح الطعام مذاقا شهيا،ونكهة متميزا بعدما كتان الإنسان البدائي يتناول اللحم نيئا.
ب: بالنارحصل الإنسان على الدفء والسخونة بعدما كان يحتمي من العواصف والأمطار بالمغاور والكهوف.
ج: بالنار شرع الإنسان في الدفاع عن نفسه وتخويف الحيوانات بها.
د: بالنار تشافى الإنسان بالكي.
ن: بالنار صقل الإنسان المعادن وحولها الى أدوات حادة تستعمل في الحروب والمطابخ وله فيها مآرب أخرى.
و: بالنار كانت السفن التائهة وسط البحار تستدل بها على الوصول الى شواطئ الأمان وبر النجاة.
ف: بالنار كانت تحرق المساحات الشائكة الغير المرغوب فيها لكي يستغلها الإنسان من أجل بناء سكنه الخاص.
لقد رآى الإنسان القدم في النار قوة حارقة لاتضاهيها قوة،وجبروتا لايعادله جبروتا،فخاف منها،واصابه الرعب من بطشها،فآتخذا آلهة يعبدها ويتقرب منها،بتقديم القرابين لها،والتقرب منها والسجود لها،وهذا ما كانت تفعله بعض الشعوب القديمة مثل المجوس الذين كانوا يقدسونها.ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رددوا أشعارا يمدحون فيها النار ويتبركون بها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد،بل اتخذت النار عند بعض الشعوب كالهنود الى إحراق الموتى بالنار،وجمع رماد عظامهم في قنينة،والإحتفاظ به كذكرى للميت. كما أنه عند موت الزوجة يتم احراق الزوج حتى يلحق بها،أو تلحق به عندما يموت،حتى تلتقي روحها بروحه. وقد ذكر الرحالة ابن بطوطة هذه العادات والتقاليد في رحلاته المشهورة التي دونها في مؤلف ضخم” تحفة النظار في غرائب الأسفار وعجائب الأمصار “.
يقول محمد السرغيني:
اختيارا أن يدخل الوعد في الوعد
إلى أن يدور مهيار بالجمر. ( 11.)
مهيارالدمشقي الي ذكره أدونيس في بعض دواوينه الشعرية،هو نفس مهيار الذي ورد في شعر محمد السرغيني،فمهيار متجدد كما الفينيق وسيخرج من رماده ليملأ هذا الكون عدلا بعدما ملئ جورا.
فالجمر من مكونات النار،وجزء لا يتجزأ من ضراوتها المحرقة،وفرعا من فروع اندلاعها واشتعالها.
لقد ظلت النار عنصرا من عناصر تشكل هذا الكون،وقد كان تواجده ضرورة ملحة وحاجة ماسة لتحسين حياة الإنسان،والرفع من كرامته،وتعزيز مقامه،ولعل هذا الإعتزار بالنار هو ما جعل الخنساء تقول عن أخيها صخرا وهي ترثيه:
وإن صخرا لتأثم الهداة به * كأنه علم فوق رأسه النار ( 12.)
فالنار رمز للعلو والظهور والهبية والسلطة،لذلك ربطت الخنساء بين العلم والنار في مدحها لصخر.
والنار التي وظفها الشاعر المغربي محمد السرغيني في مجموعته الشعرية” بحار جبل قاف ” هي النار التي اعتبرها الفلاسفة الطبيعيون من الاسباب القوية لتماسك هذا الوجود،وتواجدها دليل قوي على استمرار هذا الكون،وعنصر فعال في امتداداته وتماسكه.
لم يكن محمد السرغيني وحده الذي وظف تيمة النار في مجموعته الشعرية،بل نجد شاعرا مغربيا من جيل الخمسينيات،هو محمد الصباغ من خلال ديوانه” شجرة النار ” (والذي ترجم الى الإسبانية من طرف ترينا مركادير بمساعدة الشاعر.ونشر الديوان بالإسبانية سنة 1954،ولم تصدر طبعته العربية إلا سنة بعد ذلك) محمد بنيس – الشعر العربي الحديت- بنياته وإبدالاتها . الجزء الرابع- مساءلة الحداثة. ( 13 ) ص120 .
لقد ظل رهان محمد السرغيني في ديوانه” بحار جبل قاف” هو تمثل دلالة النا وتوظيفها بشكل واع يؤسس لانبعاث مسار أمة من جهة،وتجديد آليات الإشتغال الشعري، وخلق حركية شعرية متميزة ترى في النارالمشعل الحقيقي الذي يقود الى تغيير المفاهيم والتصورات بشكل يجعل الحياة الإنسانية أكثر فاعلية وقوة واستمرارية.
ووظفت النار بصيغ أخرى في الديوان ك:
– الإحتراق. ص59.
– الدخان. ص61.
– جمرنووي. ص68.
– جمار. ص 69.
– اشتعا ل ص70.
فالنار في الديوان لها عدة دلالات متعددة كما ورد أعلاه،منها مايرتبط بالإنشغال اليومي للناس/الطبخ.
ومنها مايرتبط بقضايا كبرى كالحروب والصراعات وتلموت الجماعي. وهي بذلك تجسيد لتراتبية في توظيف دلالة النار واعتبارها بؤرة للصراع/ والتوهج/ والإشتعال.
هوامش وإحالات:
1/ محمد السرغيني – بحار جبل قاف – دون ط – أفريقيا الشرق – 1991 . ص36.
2/ نفس المرجع – ص 5.
3/ نفسه – ص 6.
4/ ن – م – ص 44.
5/ ن – م – ص 45.
6/ ن –م – ص 46.
7/ ن – م – ص 47.
8/ ن –م – ص 48.
9/ ن –م – ص 57.
10/ نفس المرجع – ص 69.
11/ نفس المرجع – ص 72.
12/ الخنساء – الديوان.
13/ محمد بنيس – الشعر العربي الحديت- بنياته وإبدالاتها . الجزء الرابع- مساءلة الحداثة- ط1 -1991 ص120 .



