Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

المغرب بين الهوية والسلامة وتجديد المؤسسات

في صيف مغربي تتسارع فيه وتيرة السفر والاصطياف، وتتقدم فيه الاستحقاقات السياسية والقانونية إلى الواجهة، تبدو صورة المجتمع المغربي أكثر تعقيداً من أن تختزل في خبر عابر أو رقم منفصل. فخلف العناوين اليومية، هناك أسئلة أكبر تتعلق بالهوية، والمسؤولية، ودور المؤسسات، وحدود الإصلاح، ومستقبل العلاقة بين المواطن والدولة.

ولعل عودة الإقبال على الكتاتيب القرآنية خلال العطلة الصيفية تقدم واحدة من الصور اللافتة لهذا المجتمع. فالمعطيات التي تحدث عنها رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة الشرق تشير إلى تسجيل نحو 21 ألف مستفيد هذه السنة بالجهة وحدها. الرقم ليس مجرد إحصاء، بل يعكس استمرار حضور مؤسسة تقليدية استطاعت، رغم التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، أن تحافظ على مكانتها داخل عدد من الأسر المغربية.

الكتّاب هنا لا يؤدي وظيفة حفظ القرآن فقط، بل يمثل بالنسبة إلى كثير من الأسر فضاءً للتربية والانضباط والتنشئة اللغوية والقيمية. وفي زمن أصبحت فيه الشاشات ووسائل التواصل تنافس الأسرة والمدرسة على تشكيل وعي الطفل، تبدو الرغبة في توفير فضاء بديل خلال العطلة مفهومة، بل جديرة بالتأمل.

لكن الحفاظ على هذا الموروث لا يعني تجميده. المطلوب هو تطويره وتأهيل فضاءاته وتكوين مؤطريه وربطه، حيثما أمكن، بالمنظومة التربوية الحديثة، من دون القضاء على خصوصيته المغربية التي جعلته حاضراً في المدن والقرى على حد سواء.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، تضعنا أرقام السلامة الطرقية أمام واقع أكثر قسوة. فقد سجلت المناطق الحضرية المغربية، خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 9 غشت، 45 قتيلاً و3219 جريحاً في 2341 حادثة سير. والأخطر أن عدد الوفيات ارتفع بنسبة 50 في المائة مقارنة بأسبوع 20 إلى 26 يوليوز.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تمر كخبر عادي. فخلف كل رقم أسرة، وأب أو أم أو ابن أو ابنة، وحياة تغير مسارها في لحظة. وإذا كان الصيف يعني مزيداً من الحركة والسفر والاصطياف، فإنه يعني أيضاً ضرورة مضاعفة الحذر، سواء من جانب السائقين أو الراجلين أو الجهات المكلفة بالمراقبة والتحسيس.

المشكلة، كما تظهر المعطيات الأمنية، ليست دائماً في الطريق أو السيارة، وإنما في السلوك البشري أيضاً: عدم الانتباه، عدم احترام الأسبقية، السرعة، وعدم ترك مسافة الأمان. ولذلك فإن معركة السلامة الطرقية ليست أمنية فقط، وإنما هي معركة ثقافة ومسؤولية جماعية.

أما سياسياً، فإن النقاش حول ضعف حضور النساء على رأس اللوائح الانتخابية المحلية يفتح بدوره سؤالاً مشروعاً حول معنى تجديد النخب ومصداقية الخطاب الحزبي. فإذا كانت الأحزاب تتحدث باستمرار عن المناصفة وتمكين المرأة، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصل لحظة اختيار المرشحين وترتيب اللوائح.

لا يتعلق الأمر بإعطاء امتياز للمرأة لمجرد كونها امرأة، وإنما بفتح المجال أمام الكفاءة والاستحقاق، رجالاً ونساءً، بعيداً عن منطق المال والنفوذ والقدرة على تمويل الحملات. فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد اللوائح، وإنما أيضاً بنوعية من تُقدَّم لهم فرصة تمثيل المواطنين.

ومن هنا يصبح الحديث عن “تجديد النخب” أكثر من شعار انتخابي. المغرب يحتاج إلى وجوه جديدة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى معايير جديدة في اختيار هذه الوجوه: الكفاءة، النزاهة، القرب من المواطنين، والقدرة على الدفاع عن المصلحة العامة.

وفي قلب هذا النقاش السياسي والمؤسساتي، يأتي الجدل حول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وقرار المحكمة الدستورية الذي تعذر بموجبه البت في الإحالة بسبب عدم إرفاقها بالنص النهائي الذي أقره البرلمان.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحكم في دستورية القانون وبين تعذر ممارسة الرقابة الدستورية لأسباب إجرائية. فالمسألة ليست تفصيلاً تقنياً؛ لأنها تمس العلاقة بين التشريع والدستور والمؤسسات، وتطرح سؤالاً حول إمكانية إعادة إحالة القانون ما دام الأمر بتنفيذه لم يصدر.

وبعيداً عن الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، فإن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم النقاش هو احترام اختصاصات المؤسسات، وضمان حق المواطن في معرفة أن القوانين التي ستؤثر في حياته مرت عبر المساطر الدستورية والقانونية المطلوبة.

فالقانون فوق الجميع، والمهنة مهما كانت أهميتها لا يمكن أن تكون فوق القانون، كما أن حماية حقوق المتقاضين واستمرارية مرفق العدالة ليست قضية فئوية، بل قضية مجتمع ودولة ومؤسسات.

وفي مشهد آخر يحمل دلالة على طبيعة الشراكة المغربية الأمريكية، برز التحاق طالبين عسكريين مغربيين بالأكاديمية الجوية الأمريكية والأكاديمية البحرية الأمريكية. أحدهما أول طالب من القوات الجوية الملكية يلتحق بالأكاديمية الجوية الأمريكية منذ ثلاثين سنة، بينما يمثل التحاق طالب من البحرية الملكية بالأكاديمية البحرية الأمريكية سابقة من نوعها.

هذه الخطوة، إلى جانب بعدها الأكاديمي والعسكري، تعكس أهمية الاستثمار في العنصر البشري. فالتعاون بين الدول لا يبنى فقط على المعدات والصفقات، وإنما أيضاً على المعرفة والتكوين وتبادل الخبرات.

وإذا جمعنا هذه الملفات المتباعدة ظاهرياً، نجد أنها تلتقي عند عنوان واحد: المغرب الذي يتغير، لكنه لا يريد أن يفقد توازنه.

هو مغرب يتمسك بجذوره وهويته عبر الكتاتيب والمؤسسات الدينية التقليدية، ويواجه في الوقت نفسه تحديات العصر والشاشات والتكنولوجيا. وهو مغرب يريد تطوير مؤسساته السياسية، لكنه مطالب بأن يجعل الكفاءة والنزاهة أساساً لتجديد النخب. وهو مغرب يشرّع ويطور قوانينه، لكنه مطالب دائماً بأن يجعل الدستور مرجعية فوق كل اعتبار. وهو أيضاً مغرب يستثمر في تكوين أبنائه ويعزز شراكاته الدولية، مع الحفاظ على استقلال قراره ومصالحه الوطنية.

لكن وسط كل هذه التحولات، يبقى المواطن هو نقطة القياس الحقيقية.

فلا قيمة لأي إصلاح سياسي إذا لم يشعر المواطن أن صوته له معنى، ولا قيمة لأي قانون إذا لم يشعر المتقاضي أن العدالة متاحة له، ولا معنى لأي خطاب حول التنمية إذا ظل نزيف الطرق يحصد الأرواح، ولا يمكن الحديث عن المستقبل إذا لم نستثمر في تربية أطفالنا وتعليمهم.

المغرب لا يحتاج فقط إلى مزيد من القوانين والمؤسسات والشعارات، بل يحتاج إلى ثقافة المسؤولية؛ مسؤولية المواطن، ومسؤولية المنتخب، ومسؤولية المهني، ومسؤولية المؤسسة، ومسؤولية الدولة.

وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي: أن تتحول القيم التي نتحدث عنها إلى ممارسة يومية، وأن يصبح احترام القانون سلوكاً، والانتخاب مسؤولية، والسلامة ثقافة، والتربية استثماراً، والكفاءة معياراً، والمصلحة العامة فوق كل الحسابات الضيقة.

ذلك هو الطريق الذي يجعل من التحولات التي يعيشها المغرب فرصة حقيقية لبناء المستقبل، لا مجرد عناوين تتغير مع كل يوم جديد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تفقد أيضا
Close
Back to top button