أخبارالرئيسيةثقافة و فنغير مصنف

قراءة أولى في “رجل اسمه الرغبة” فصل يوم فقدت عذريتي

بقلم: غزلان أزندور

منذ الصفحات الأولى من رواية رجل اسمه الرغبة – اعترافات دون جوان لعائشة البصري، لا يبدو أننا أمام مجرد سيرة رجل كثير العلاقات، بل أمام محاولة للعودة إلى الجذور التي صنعت نظرته إلى الحب والرغبة والوفاء والذنب. فالراوي لا يبدأ من مغامراته العاطفية بقدر ما يبدأ من طفولته، وكأن فهم “دون جوان” الذي أصبحه يقتضي أولا البحث عن الطفل الذي كانه.

من الأفكار اللافتة منذ البداية موقفه من الخيانة والضمير. إنه يحاول إقناع نفسه بأن الضمير ليس معطى فطريا ثابتا، وإنما شيء تصنعه التربية والثقافة، وأن الإنسان قادر بالتدريج على إعادة تسمية أفعاله حتى تخف وطأة الذنب. غير أن المفارقة أن الرجل الذي يقدم نفسه وكأنه تصالح مع الخيانة يعود إلى جرح خيانة أولى ظل حاضرا في ذاكرته. لذلك فإن فصل “يوم فقدت عذريتي” لا يتعلق، في العمق، بعذرية الجسد فقط، بل يمكن قراءته باعتباره لحظة فقدان البراءة الأخلاقية والعاطفية.

وهنا يدخل الدين بقوة في تكوين هذا العالم. فقد نشأ الراوي في مدينة صغيرة تحتل فيها الكنيسة مكانة تتجاوز العبادة: لقاء الأحد مناسبة دينية واجتماعية في الوقت نفسه، والأخبار والأسرار والخطايا تتحرك داخل مجتمع صغير يعرف أفراده بعضهم بعضا. الكنيسة بهذا المعنى ليست مجرد فضاء روحي، بل إحدى المؤسسات التي تنظم علاقة الجماعة بالأخلاق والسمعة والخطيئة.

لكن علاقة الطفل بهذه المؤسسة سرعان ما تتوتر. فهو يخبرنا صراحة أنه لم يكن يثق في رجال الدين، وكان يهرب كلما طُلب منه الاعتراف، خصوصا بعدما تكونت لديه صورة عن قس الكنيسة باعتباره رجلا كثير الكلام لا يحفظ دائما تلك المسافة التي يفترضها سر الاعتراف. والأهم قوله إن قبلة على خد حبيبته لا تستحق، في نظره، اعترافا وتوبة. هنا يظهر مبكرا خلاف أعمق من مجرد رفض طقس ديني: من يحدد الخطيئة؟ وهل كل ما تصفه المؤسسة الدينية بالذنب يصبح بالضرورة تجربة أخلاقية للإنسان؟.

لذلك يمكن التمييز بين الدين والإيمان من جهة، والسلطة الدينية التي تحتكر تعريف الذنب من جهة أخرى. النص في هذه الصفحات لا يمنحنا ما يكفي للقول إن الراوي أصبح لا دينيا، لكنه يمنحنا بوضوح بداية شكه في الوساطة الدينية وفي الأخلاق المفروضة من الخارج. وربما لهذا السبب سيكون للضمير في الرواية موقع مركزي: فالراوي يريد أن ينتزع حق تحديد الخير والشر من الكنيسة ومن المجتمع، ليضعه داخل تجربته الفردية؛ لكن السؤال الذي تفتحه الرواية هو: هل يكفي أن نعيد تعريف الخطأ حتى نتخلص فعلا من تبعاته؟.

والسخرية الروائية تصبح أعمق حين تتحول الكنيسة نفسها إلى مسرح غير مباشر لانهيار براءته العاطفية. ففي إحدى المناسبات المرتبطة بها يرى حبيبته في سيارة جارهم المتزوج وهي تقبله و….. في المكان الاجتماعي الذي يفترض أنه يحرس الفضيلة، يكتشف لأول مرة التناقض بين الأخلاق المعلنة والحياة التي تجري في الخفاء. ولعل هذه اللحظة أكثر أهمية من الخيانة نفسها: الطفل لا يكتشف فقط أن حبيبته يمكن أن تخونه، بل يكتشف أن المجتمع الذي يتحدث باستمرار عن الخطيئة والاعتراف والفضيلة يعيش هو أيضا ازدواجياته وأسراره.

ويضاف إلى ذلك حضور الأسرة في بناء تصوره عن الحب والجنس: الأب الغائب وغير الوفي، والأم التي تحمل آثار تلك العلاقة، ثم الجد الذي يختزل الخيانة في “طبيعة المرأة” وهكذا يجد الطفل نفسه بين خطاب ديني يراقب الرغبة ويؤثمها، وخطاب ذكوري يبرر خيانة الرجل ويلقي مسؤوليتها على المرأة. وبين الاثنين تتكون ذات ستبحث لاحقا عن فلسفتها الخاصة للرغبة.

لذلك أقرأ هذه الصفحات الاولى بوصفها جينالوجيا لدون جوان أكثر منها حكاية طفولة. الرواية تبحث في الكيفية التي يصنع بها الإنسان خطابا فلسفيا يبرر حياته انطلاقا من تجاربه القديمة: حب أول، خيانة أولى، أب غائب، أم مجروحة، مؤسسة دينية تفرض معنى للخطيئة، ومجتمع صغير يعيش تحت رقابة السمعة بينما يخفي تناقضاته.

ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي الذي تفتحه الرواية في فصلها الاول أوسع من الخيانة: هل أخلاقنا نابعة من قناعة حرة، أم أنها أثر للتربية والدين والجروح والذاكرة؟ وإذا رفض الإنسان الأخلاق التي فرضت عليه، فهل يكون قد تحرر حقا، أم أنه قد يبني أخلاقا مضادة ليست سوى رد فعل على ماضيه؟

بهذا المعنى، “الرغبة” في الرواية لا تظهر حتى الآن كغريزة جسدية بسيطة، بل كشيء يتكون عند تقاطع الجسد والذاكرة والدين والسلطة والجرح والحرية وربما هنا تكمن قوة البداية: إنها لا تسألنا فقط لماذا يخون دون جوان، بل تسأل سؤالاً أكثر إزعاجاً: كيف نصبح الأشخاص الذين نعتقد لاحقا أننا اخترنا أن نكونهم؟

ويمكن أن نقرأ عنوان “يوم فقدت عذريتي” قراءة تتجاوز المعنى الجسدي المباشر؛ فالعذرية هنا تبدو أيضا عذرية عاطفية وأخلاقية أي تلك البراءة الأولى التي كان ينظر بها الطفل إلى الحب والوفاء. لحظة اكتشاف الخيانة لا تسلبه فقط حبيبته، بل تسلبه صورة مثالية عن العلاقة بالآخر، وتدفعه إلى الانتقال من الثقة إلى الشك، ومن البراءة إلى بناء فلسفة خاصة قد تبرر لاحقا علاقته بالرغبة والخيانة.

ربما الفصول الاخرى قد تكشف اشياء اخرى …..

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button