إفريقيا أمام اختبار الأمن والهجرة والقدرة على حماية الإنسان

الرادار الإفريقي | صباح السبت 15 غشت2025
تدخل إفريقيا عطلة نهاية هذا الأسبوع على وقع تطورات متزامنة تكشف مرة أخرى أن أزمات القارة لم تعد منفصلة عن بعضها؛ فالهجرة ترتبط بالأمن، والأمن يرتبط بالاقتصاد، والاقتصاد يرتبط بالاستقرار الاجتماعي، بينما تتحول الأزمات الإنسانية إلى أوراق ضغط في صراعات إقليمية ودولية متزايدة.
سبتة..الهجرة تتحول إلى اختبار جديد للشراكة المغربية الأوروبية
عاد ملف سبتة إلى واجهة المشهد الإفريقي ـ الأوروبي، بعد انتشار دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولات جديدة للعبور الجماعي اليوم 15 غشت، ما دفع المغرب وإسبانيا إلى تشديد الإجراءات الأمنية على جانبي الحدود. وتأتي هذه التطورات بعد موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز، والتي شارك فيها عشرات الآلاف، وفق تقارير دولية.
الأهم في هذه التطورات ليس الجانب الأمني وحده، وإنما بروز التضليل الرقمي باعتباره عاملاً جديداً في صناعة موجات الهجرة. فالمعلومات الكاذبة التي توهم بفتح الحدود تستطيع في ساعات أن تحرك آلاف الأشخاص وتضع دولتين وقارة بأكملها أمام أزمة مفاجئة. وهنا تتجاوز سبتة حدودها الجغرافية لتصبح اختباراً جديداً لمستقبل الشراكة المغربية ـ الأوروبية في ملف الهجرة.
الساحل..المال يتحول إلى وقود للحرب
كشفت الأمم المتحدة أن فدية بلغت نحو 50 مليون دولار دُفعت في نهاية 2025 لتحرير رهينة، ساهمت بصورة كبيرة في تمويل هجمات تنظيمات مرتبطة بالقاعدة في منطقة الساحل، خصوصاً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وتشير المعطيات الأممية إلى أن الجماعة تملك ما يقدر بنحو 7 آلاف إلى 8 آلاف مقاتل، مع توسع عملياتها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر نحو بنين وتوغو.
لم تعد الجماعات المسلحة تعتمد فقط على الموارد المحلية أو التهريب؛ بل أصبحت الفدية نفسها جزءاً من اقتصاد الحرب. وهذا يعني أن مكافحة الإرهاب في الساحل تحتاج إلى تجفيف مصادر التمويل بقدر حاجتها إلى العمليات العسكرية.
جنوب السودان.. 650 ألف لاجئ أمام خطر فقدان الغذاء
في جنوب السودان، حذرت وكالتا الأمم المتحدة للاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من أن أكثر من 650 ألف لاجئ وطالب لجوء معرضون لفقدان المساعدات الغذائية خلال أسابيع بسبب نقص التمويل.
وتواجه الاستجابة الإنسانية فجوة تمويلية تقدر بنحو 37 مليون دولار، بينما يعاني البلد أصلاً من واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، مع أكثر من 7.8 ملايين شخص يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
زامبيا..الانتخابات تحت اختبار الاستقرار
في زامبيا، استؤنف فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية بعد تعليق مؤقت إثر هجمات استهدفت موظفي مراكز الاقتراع وسرقة أوراق اقتراع، وسط انتشار أمني في العاصمة لوساكا. وتكتسي الانتخابات أهمية تتجاوز التداول السياسي، لأنها تأتي في سياق اقتصادي واجتماعي لا تزال فيه البلاد تحاول تجاوز آثار أزمة الديون وارتفاع تكاليف المعيشة.
الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في إعلان النتائج، وإنما في قدرة المؤسسات والأحزاب على ضمان انتقال سياسي هادئ يحافظ على ثقة المواطنين.
جنوب إفريقيا…الهجرة الداخلية الإفريقية تصطدم بالاحتقان الاجتماعي
تتزايد في جنوب إفريقيا مظاهر التوتر المرتبطة بالمهاجرين الأفارقة، وسط حملات تستهدف العمال الأجانب وتعيد إلى الواجهة سؤال الهجرة داخل القارة.
وتحذر تقارير حديثة من أن هذه الحملات لا ترفع فقط كلفة التوتر الاجتماعي، بل تضرب أيضاً قطاعات اقتصادية تعتمد على العمالة المهاجرة.
وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات المشروع الإفريقي: قارة تريد تحرير حركة الأشخاص والبضائع، لكنها لا تزال عاجزة عن بناء منظومة اجتماعية واقتصادية قادرة على استيعاب الهجرة داخل فضائها.
إفريقيا الوسطى.. تحسن مالي محدود في جمهورية الكونغو
من زاوية اقتصادية مختلفة، رفعت وكالة فيتش تصنيف الدين بالعملة المحلية لجمهورية الكونغو من CCC إلى CCC+، مستندة إلى انخفاض مخاطر إعادة التمويل وتحسن ظروف التمويل الإقليمية وتوزيع آجال استحقاق الدين.
ورغم أن التصنيف لا يزال في منطقة المخاطر العالية، فإن الإشارة مهمة لأنها تؤكد أن المشهد الإفريقي ليس فقط حروباً وأزمات؛ فهناك دول تحاول استعادة التوازن المالي وجذب الثقة الاستثمارية.
مؤشر إفريقيا
الأمن: مرتفع
الهجرة: مرتفع
الأزمات الإنسانية: مرتفع
الاستقرار السياسي: تحت المراقبة
الاقتصاد والتمويل: تفاوت بين الدول
التكامل الإفريقي: بين الطموح والواقع
ما يجمع أخبار إفريقيا اليوم أكثر مما يفرقها. من سبتة إلى الساحل، ومن السودان إلى جنوب السودان، ومن زامبيا إلى جنوب إفريقيا، تتكرر معادلة واحدة هي ضعف التنمية يولد ضغطاً اجتماعياً، والضغط الاجتماعي يغذي الهجرة أو الاحتجاج، والهشاشة الأمنية تستغل الفراغ، بينما تؤدي الأزمات الإنسانية إلى تعميق عدم الاستقرار.
لكن الوجه الآخر للقصة هو أن إفريقيا لم تعد مجرد ساحة لتلقي الأزمات. القارة تمتلك مواردها، وأسواقها، وموقعها الجيوسياسي، وشبابها، وشبكاتها التجارية الصاعدة. والتحدي الحقيقي أمامها هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على منعها. وهنا تحديداً يصبح الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقي جزءاً من الأمن القومي الإفريقي، وليس ملفاً منفصلاً عنه.
الخلاصة
إفريقيا اليوم لا تواجه أزمة واحدة؛ إنها تواجه منظومة أزمات مترابطة. ومن يقرأ المشهد الإفريقي من زاوية الأمن وحده سيفوّت نصف الحقيقة، ومن يقرأه من زاوية الاقتصاد وحده سيفوّت نصفها الآخر. أما القراءة العميقة فتقول إن معركة إفريقيا القادمة ستكون حول سؤال واحد: هل تستطيع القارة تحويل ثروتها البشرية والمادية والجيوسياسية إلى قوة استقرار وتأثير، أم ستظل أزماتها مفتوحة على الخارج؟
من الرباط نقرأ إفريقيا… ومن إفريقيا نقرأ العالم



