إفريقيا بين تصاعد التهديدات الأمنية وإعادة ترتيب النفوذ

الرادار الإفريقي |صباح الأحد 16 غشت 2026
تدخل إفريقيا أسبوعاً جديداً وهي تواجه مشهداً مركباً تتقاطع فيه الأزمات الأمنية مع التحولات السياسية والاقتصادية، بينما تتسع مساحة التنافس الدولي على القارة ومواردها وممراتها الاستراتيجية.
ومن الساحل إلى السودان، ومن شرق إفريقيا إلى الجنوب، تتأكد حقيقة واحدة: أمن إفريقيا لم يعد قضية داخلية تخص دولاً بعينها، بل أصبح ملفاً إقليمياً ودولياً تتداخل فيه الحدود والجماعات المسلحة والاقتصاد غير المشروع وحسابات القوى الكبرى.
الساحل..المال يتحول إلى وقود للحرب
تتصدر التطورات الأمنية في منطقة الساحل واجهة المشهد، بعد الكشف عن تقرير أممي يفيد بأن فدية بلغت نحو 50مليون دولار دُفعت أواخر 2025 مقابل إطلاق رهائن، وأسهمت بصورة مهمة في تمويل نشاط جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وبحسب المعطيات المنشورة، استفادت الجماعة من الأموال لتعزيز عملياتها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع امتداد نشاطها إلى بنين وتوغو، فيما يقدّر عدد مقاتليها بما بين 7 آلاف و8 آلاف عنصر.
المعطى الأخطر هنا أن الإرهاب في الساحل لم يعد يعتمد فقط على مصادر التمويل التقليدية، بل أصبح جزءاً من اقتصاد أمني عابر للحدود تتداخل فيه الفدية والتهريب والذهب وشبكات التمويل غير المباشر. وهو ما يجعل المعركة ضد الجماعات المسلحة معركة على مصادر المال بقدر ما هي معركة عسكرية.
السودان.. الحرب تستدعي مقاتلين من خارج القارة
تكشف تحقيقات حديثة عن حضور متزايد لمقاتلين أجانب في الحرب السودانية، من بينهم نحو ألفي مقاتل كولومبي سابق، جرى تجنيد عدد منهم للعمل في صفوف قوات الدعم السريع.
وتشير التحقيقات إلى شبكات تجنيد وتدريب ونقل امتدت عبر ليبيا والصومال والإمارات، في صورة تعكس انتقال الحرب السودانية من نزاع داخلي إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي أكثر تعقيداً.
كلما طال أمد الحرب في السودان، زادت احتمالات تحول البلاد إلى مركز جذب لشبكات المرتزقة والسلاح والاقتصاد الموازي، بما يهدد أمن البحر الأحمر وشرق إفريقيا ومنطقة الساحل في آن واحد.
زامبيا.. الانتخابات تحت اختبار الاستقرار
وفي الجنوب الإفريقي، تتواصل عملية فرز أصوات الانتخابات العامة في زامبيا وسط توتر سياسي وأمني، بعدما توقفت عملية العد لفترة قصيرة بسبب مخاوف أمنية.
ودعت بعثة مشتركة للاتحاد الإفريقي والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «كوميسا» مختلف الأطراف إلى تجنب الأفعال التي يمكن أن تزيد من حدة التوتر، فيما حذرت بعثات مراقبة أخرى من أن تعليق عملية العد وإعلان النتائج يمكن أن يؤثر في الثقة في المسار الانتخابي.
وتكتسب انتخابات زامبيا أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، لأنها تأتي في مرحلة تواجه فيها الديمقراطيات الإفريقية اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على شرعية صناديق الاقتراع من جهة، ومنع التنافس السياسي من التحول إلى أزمة أمنية من جهة أخرى.
إفريقيا تعيد صياغة علاقاتها مع القوى الكبرى
في المقابل، يتواصل التحول الهادئ في علاقة إفريقيا بالقوى الدولية، خصوصاً الصين والولايات المتحدة وأوروبا. وتشير دراسات حديثة إلى أن العلاقات الصينية الإفريقية تدخل مرحلة جديدة، تحاول فيها الدول الإفريقية الانتقال من التركيز على القروض والبنية التحتية إلى الاستدامة المالية وإضافة القيمة والتصنيع المحلي.
وفي منطقة الساحل تحديداً، يواصل الاتحاد الأوروبي البحث عن صيغة جديدة لعلاقته مع دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بعد التحولات الجيوسياسية التي قلصت نفوذه التقليدي في المنطقة ودفعت الحكومات العسكرية إلى تنويع شركائها الدوليين. (
الاتحاد الإفريقي..من الأمن إلى الزراعة الرقمية
وبعيداً عن الأزمات، يواصل الاتحاد الإفريقي الدفع نحو أجندة تنموية جديدة، حيث عقدت مفوضية الاتحاد هذا الأسبوع ورشة قارية لتنسيق تنفيذ استراتيجية الزراعة الرقمية الإفريقية في منطقة «إيغاد».
وتعكس هذه الخطوة توجهاً نحو استخدام التكنولوجيا والبيانات والابتكار لرفع الإنتاجية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي. وهنا تبرز مفارقة المشهد الإفريقي؛ قارة تواجه الإرهاب والحروب من جهة، وتستعد في الوقت نفسه لثورة رقمية وزراعية قد تعيد تشكيل اقتصادها من جهة أخرى.
الرباط..إفريقيا تحتفي بكرة القدم النسائية
وتتجه الأنظار مساء اليوم إلى الرباط، حيث يحتضن ملعب مولاي الحسن نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات بين الكاميرون ومالاوي، في مواجهة تاريخية يبحث فيها المنتخبان عن أول لقب قاري لهما في البطولة. وتنطلق المباراة في التاسعة مساء بالتوقيت المحلي.
وكان المنتخب المغربي قد أنهى مشاركته في المركز الرابع بعد خسارته أمام الجزائر بركلات الترجيح في مباراة تحديد المركز الثالث.
وتؤكد استضافة المغرب لهذه النسخة، التي عرفت مشاركة 16 منتخباً، أن المملكة أصبحت إحدى أهم منصات كرة القدم الإفريقية، ليس فقط على مستوى الرجال، وإنما أيضاً في تطوير كرة القدم النسائية والبنية التحتية الرياضية القارية.
مؤشر إفريقيا
الأمن: تحت الضغط
السياسة والديمقراطية: اختبار متواصل
الاقتصاد والتصنيع: فرص صاعدة
النفوذ الدولي: إعادة تموضع
التحول الرقمي والزراعة: مسار استراتيجي
الرياضة الإفريقية: المغرب في الواجهة
الخلاصة
إفريقيا اليوم لا تتحرك في اتجاه واحد. ففي الوقت الذي تتوسع فيه اقتصادات الحرب والإرهاب والمرتزقة في مناطق من القارة، تتقدم في مناطق أخرى رهانات التصنيع والرقمنة والأمن الغذائي وإعادة بناء الشراكات الدولية.
وهذا هو جوهر المشهد الإفريقي الجديد، قارة لم تعد مجرد ساحة لصراعات الآخرين، وإنما تتحول تدريجياً إلى طرف فاعل في إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.
ومن الرباط، يواصل“الحدث الإفريقي” قراءة هذه التحولات من الداخل، لأن فهم إفريقيا اليوم لم يعد ترفاً إعلامياً، بل أصبح ضرورة لفهم مستقبل المغرب وموقعه في محيطه القاري.
نقرأ إفريقيا من الرباط.. ونقرأ العالم من إفريقيا.



