سبتة..طفولة بوجع قاس

في زاويةٍ من زوايا مدينة سبتة السليبة، ينام طفلٌ في العاشرة من عمره، تحت ضوء مصباح شارعٍ باهت. رأسه على حقيبةٍ بلاستيكيةٍ مهترئة، ويداه الصغيرتان تطويان صدره كأنهما تحاولان حماية قلبٍ لم يعرف بعدُ معنى الأمان. ليس هذا مشهدًا من روايةٍ قديمة، ولا صورةً من حربٍ بعيدة؛ إنه واقعٌ يتكرر كل ليلة في سبتة المحتلة، حيث صارت الطفولة مشرّدةً بين السياج الحدودي وأرصفة المدينة.
سبتة ليست مجرد جيبٍ جغرافيٍّ مغربي على الخريطة. هي اليوم مرآةٌ قاسيةٌ لوجه الهجرة، ومرآةٌ أشدّ قسوةً لوجهنا نحن حين ننظر إلى القاصرين غير المصحوبين ونمرّ مرور الكرام. بعد موجة العبور الكبيرة التي شهدتها المدينة أواخر يوليوز الماضي، والتي شهدت دخول نحو 72 ألف شخص، عاد معظم الوافدين إلى المغرب، وبقي آلاف الأطفال والمراهقين عالقين بسبتة. بحسب الأرقام الرسمية الأخيرة، تتولى السلطات المحلية بسبتة رعاية ما بين 1100 و1342 قاصرًا غير مصحوب بذويه ضمن منظومة الحماية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 1900 قاصر. أما القدرة الاستيعابية العادية لمراكز الإيواء فلا تتجاوز 29 إلى 90 مكانًا فقط، ما يعني اكتظاظًا يصل إلى آلاف بالمئة. منظمة «أنقذوا الطفولة» حذرت من وجود مئات آخرين، وربما آلاف، ما زالوا خارج النظام تمامًا، ينامون في الشوارع أو في أماكن مؤقتة غير آمنة.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقاريرٍ رسمية. هم أجسام بريئة تحمل في عيونها مزيجًا من الرعب والأمل. بعضهم جاء يبحث عن «الحلم الأوروبي» الذي رسمته له الشاشات والحكايات، وبعضهم هرب من بيتٍ مكسور أو من مستقبلٍ لا يراه في بلاده. لكن ما وجدوه هنا كان واقعًا أشدّ مرارة؛ جوعٌ يطاردهم، وبردٌ ليليّ يلتصق بأجسادهم، وخوفٌ دائمٌ من المجهول. تقارير المنظمات تتحدث عن أطفالٍ ينامون في العراء، وعن فتياتٍ يواجهن مخاطر الاستغلال والعنف، وعن شكاوى اعتداءاتٍ جنسيةٍ وصلت إلى المحاكم. الطفولة هنا لا تحلم بالألعاب، بل تحلم بسريرٍ نظيفٍ ووجبةٍ دافئةٍ ويدٍ حانيةٍ تقول: «أنت في أمان».
الهجرة إلى سبتة ليست ظاهرةً عابرة. هي نتيجةُ تراكمٍ طويلٍ من الهشاشة الاجتماعية، ومن شعورٍ متزايدٍ بانسداد الأفق، ومن صورٍ مبالغٍ فيها عن «الجنة» خلف السياج. القاصرون، أكثر من غيرهم، يدفعون الثمن الأغلى. القانون يحميهم نظريًا، يمنع ترحيلهم الفوري، ويفرض على السلطات رعايتهم. لكن الواقع يفضح الفجوة الهائلة بين النص القانوني والممارسة. مدينةٌ صغيرةٌ لا تتجاوز قدرتها الاستيعابية بضع عشرات، تجد نفسها مسؤولةً عن أكثر من ألف طفل. التمويل الطارئ الذي أعلنته الحكومة الإسبانية بقيمة 25 مليون يورو جاء متأخرًا نسبيًا، والمدارس تُحوَّل إلى مراكز مؤقتة، لكن الجرح أعمق من أن تداويه أرقام الميزانيات.
في هذه المدينة، يصبح القاصر كائنًا معلّقًا بين عالمين: عالمٌ تركه خلفه، وعالمٌ لم يفتح له ذراعيه بعد. ينتظر الفرج بأرض الأحلام، أو ينتظر قرارًا يعيده إلى أهله، أو ينتظر ببساطة أن يمرّ الليل دون أن يحدث شيءٌ أسوأ. وفي الانتظار، تضيع سنواتٌ ثمينة من الطفولة. يتحول اللعب إلى بحثٍ عن طعام، والضحك إلى صمتٍ حذر، والمستقبل إلى سؤالٍ معلقٍ في الهواء.
نحن أمام مأساةٍ مزدوجة. مأساةُ الأطفال الذين عبروا الحدود بحثًا عن حياةٍ أفضل فوجدوا أنفسهم في منطقةٍ رماديةٍ بلا حماية كافية. ومأساةُ مجتمعٍ يرى هذه المشاهد ويتحدث عنها بلغة الأرقام والسياسة، ناسياً أن وراء كل رقمٍ طفلًا كان يمكن أن يكون ابنًا أو أخًا أو حفيدًا. سبتة اليوم ليست مجرد أزمة هجرة. هي اختبارٌ لإنسانيتنا. هل نستطيع أن ننظر في عيون هؤلاء القاصرين ونرى فيهم أطفالًا قبل أن نراهم مهاجرين؟ هل نستطيع أن نحوّل الحماية القانونية إلى حمايةٍ حقيقيةٍ على الأرض؟



