تمثلات الشجرة وبنية التجلي في التجربة التشكيلية لناصر شماعو الفهري

بقلم: منير لكماني
ثمة فنانون يرسمون ما تقع عليه أبصارهم، وآخرون يرسمون ما يبقى في الذاكرة بعد أن تغيب الأشياء. ناصر شماعو الفهري ينتمي إلى الفئة الثانية. فالريشة بين أصابعه لا تبدو أداة لنسخ المرئي، بقدر ما تتحول إلى وسيلة لاستنطاقه؛ يقترب من السطح بتؤدة، يضع اللون، يراقب أثره، ثم يعود إليه كأن بين اليد والمادة حوارا لا يكتمل من الضربة الأولى. وحين تتسع المساحة تنطلق الريشة بحرية، وحين تبلغ الإنسان تتأنى، كأن لكل تفصيل حقه في الوجود، ولكل فراغ نصيبه من الصمت.

هذا الفنان المغربي المقيم في ألمانيا يحمل في تجربته أكثر من جغرافيا وأكثر من ذاكرة. تشرب من الحساسية التشكيلية المغربية بما فيها من دفء اللون وقوة الرمز، ولامس تجارب فرنسية حررت الضوء من وظيفته الوصفية، واقترب من مدارس ألمانية جعلت الكتلة والاختزال والتعبير أدوات للتفكير قبل أن تكون تقنيات للرسم. فالمدارس التي يمر بها الفنان الحقيقي لا تبقى علامات ظاهرة على سطحه؛ يهضمها، يعيد ترتيبها، ثم يتركها وراءه كي يبدأ صوته الخاص.

هنا تحديدا تتضح خصوصية شماعو الفهري. يمكن للعين أن تلمح ارتعاشا انطباعيا في اللون، وتوترا تعبيريا في كثافة المساحات، ونزوعا تجريديا حين تتلاشى الحدود بين الأشياء، غير أن تصنيف تجربته داخل مذهب واحد يختزلها أكثر مما يفسرها. فهو لا يستعير مدرسة جاهزة، بل يؤسس معجما بصريا تتجاور فيه الذاكرة واللون والرمز والفراغ.
وفي قلب هذا المعجم تقف الشجرة.
لا تظهر الشجرة عنده مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل تكاد تكون الشخصية المركزية في عالمه. تتسع حتى تحتل الفضاء، وتتداخل أوراقها وأغصانها في كتل من الأخضر والفيروز والأصفر والظلال الداكنة، بينما يصغر الإنسان تحت امتدادها. وهذه المفارقة البصرية تحمل سؤالا فلسفيا: هل الإنسان مركز العالم حقا، أم مجرد عابر قصير العمر داخل زمن أوسع منه؟
غير أن شماعو الفهري لا يكتفي بجعل الشجرة علامة على الجذر والامتداد. ففي أحد أكثر تكويناته كثافة، تستولي زرقة عميقة على معظم الفضاء، لا بوصفها سماء محددة، بل كحالة نفسية يتداخل فيها الغيم بالماء والذاكرة بالحلم. ومن قلب هذه الزرقة ينفتح وهج أخضر شديد، كأن اللون انشق عن نور كان كامنا في باطنه. وفي مركز هذا الانفتاح يقف جسد أبيض باسط الذراعين، صغيرا قياسا إلى الكتلة المحيطة به، لكنه يستقطب النظر. فوقه ترتفع ثلاث حمامات بيضاء، فتتحول حركة العين من الامتداد الأفقي إلى الصعود، ومن ثقل الأرض إلى خفة العلو.
وفي الأسفل يمتد شريط من البشر: جالسون وواقفون ومتحاورون، تحيط بهم مقاعد وأشياء يومية وحركات عابرة. لا وجوه مكتملة، ولا بطولة فردية، بل حضور إنساني جماعي يحتفظ كل فرد فيه بعزلته الصامتة. وهنا تتجلى إحدى أكثر مناطق العمل نضجا: الروحي لا ينفصل عن اليومي، والتجلي لا يحدث خارج الناس بل في قلب حياتهم. لا صومعة ولا مشهد مقدس منفصل عن العالم؛ النور يخرج من بين الأجساد نفسها.

من هنا يمكن فهم أثر الثقافة الصوفية في تجربة شماعو فهري. فهي لا تظهر في زينة رمزية أو استعارات جاهزة، بل في طريقة النظر ذاتها: الظاهر لا يستنفد الحقيقة، والشكل لا يغلق المعنى، واللون يحمل ما يتجاوز وظيفته البصرية. الحمامة تظل طائرا، لكنها تنفتح على الخفة والانعتاق؛ والشجرة تظل شجرة، لكنها تجمع بين الجذر والعلو؛ والضوء لا يصف الأشياء بقدر ما يكشف باطنها.
أما الإنسان، فيظل صغيرا من حيث الحجم، لكنه ضروريا من حيث المعنى. لو غاب البشر لبقي المشهد جميلا؛ وبحضورهم يصبح الجمال سؤالا عن المصير والذاكرة والزمن. وهذا ما يمنح تجربة شماعو الفهري بعدها الإنساني: المغربي فيها لا ينفي الأوروبي، والذاكرة لا تعادي الحاضر، والروحاني لا يلغي الحسي. تتعايش الأشياء كما تتعايش في الإنسان هوياته المتعددة.
ولعل الشجرة التي تعود بإصرار في أعماله تختصر هذا كله: جذور لا ترى، وأغصان لا تكف عن الامتداد. كأن الفن عنده يقول إن الإنسان لا يعيش بلا جذور، لكنه يختنق إذا تحولت الجذور إلى قيد؛ وأن الحكمة ليست في اقتلاعها، بل في أن نجعل منها ما يكفي من الثبات كي نجرؤ، كل مرة، على رفع أغصاننا أعلى.



