Hot eventsأخبارأخبار سريعةجهات المملكةمجتمع

فاس وشبح الكراء السنوي.. أين تنتهي حرية السوق وتبدأ حماية المواطن؟

تعيش مدينة فاس، على غرار عدد من المدن المغربية، نقاشاً متزايداً حول سوق الكراء، في ظل ارتفاع تكاليف السكن وتفاوت الأسعار بين الأحياء، وما يصفه عدد من المواطنين بفوضى في تحديد واجبات الكراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالكراء السنوي.

وفي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن سكن يتناسب مع قدرته الشرائية، يجد نفسه أحياناً أمام أسعار تتغير بحسب الحي، والمساحة، والطلب، بل وحتى بحسب تقدير المالك أو السمسار. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يدخل الوسطاء على الخط، حيث يشتكي بعض الباحثين عن السكن من مبالغ إضافية وشروط غير واضحة وعمولات تختلف من حالة إلى أخرى.

السمسرة تحت المجهر

المشكل، بحسب شكاوى متداولة بين المواطنين، لا يرتبط فقط بارتفاع أسعار الكراء، وإنما أيضاً بطريقة اشتغال جزء من سوق الوساطة العقارية. فالباحث عن منزل قد يضطر إلى التعامل مع أكثر من وسيط، في وقت تظل فيه المعلومات المتعلقة بالسعر الحقيقي للعقار وشروط العقد غير واضحة دائماً.

ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً: هل أصبح المواطن أمام سوق يخضع لقواعد العرض والطلب فقط، أم أن غياب التنظيم والشفافية يفتح المجال أمام ممارسات تضعف موقع المكتري؟

ويرى متابعون أن السمسار، عندما يؤدي دور الوسيط بشكل مهني وشفاف، يمكن أن يكون حلقة مهمة في سوق العقار، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الوساطة إلى مجال لفرض عمولات أو شروط غير واضحة، خصوصاً على المواطنين الذين يكونون في وضعية استعجال للعثور على سكن.

ماذا تقول الجهات المختصة؟

من الناحية القانونية، لا يعني عدم وجود سعر موحد للكراء أن السوق متروك بالكامل دون قواعد. فالعلاقة بين المكري والمكتري تخضع لمقتضيات قانونية تنظم عقد الكراء، والالتزامات المتبادلة، وشروط إنهاء العلاقة الكرائية، وغيرها من المسائل.

لكن الإشكال الذي يطرحه المواطنون يتعلق بالجانب العملي: كيف يمكن ضمان احترام هذه القواعد في سوق تتعدد فيه الإعلانات والوسطاء والعقود، وكيف يمكن للمكتري أن يحصل على معلومات دقيقة حول حقوقه وواجباته قبل توقيع العقد؟

وهنا تبرز الحاجة إلى دور أكبر للجهات المختصة، سواء من خلال المراقبة، أو التوعية القانونية، أو تشجيع العقود المكتوبة والواضحة، أو تنظيم مهنة الوساطة العقارية بشكل يضمن حقوق جميع الأطراف.

هل يحتاج سوق الكراء إلى تنظيم أكبر؟

المطالب المتداولة لا تعني بالضرورة فرض أسعار موحدة للكراء، لأن السوق العقارية تختلف من حي إلى آخر ومن عقار إلى آخر، كما أن تدخل الدولة بشكل مباشر في تحديد الأسعار قد يخلق بدوره إشكالات اقتصادية.

لكن بين حرية السوق وترك المواطن يواجه الأمر بمفرده، توجد مساحة واسعة يمكن أن تتحرك فيها المؤسسات: شفافية أكبر، عقود واضحة، وساطة مهنية، معلومات متاحة، وآليات سهلة لتقديم الشكايات وتسوية النزاعات.

فالمواطن لا يطالب بالضرورة بمنع المالك من تحديد سعر ملكه، وإنما يريد أن يعرف بوضوح ما الذي سيدفعه، ولمن، وتحت أي شروط، وما هي حقوقه إذا طرأ خلاف.

فاس أمام سؤال اجتماعي قبل أن يكون عقارياً

الكراء لم يعد مجرد علاقة تجارية بين مالك ومكتري؛ فهو بالنسبة إلى آلاف الأسر والطلبة والعمال والموظفين مسألة مرتبطة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي.

ومن هنا، فإن النقاش حول سوق الكراء في فاس ينبغي ألا يختزل في سؤال: “كم يبلغ ثمن الشقة؟”، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر: كيف نضمن سوقاً عقارية شفافة تحفظ حق المالك وتحمي المكتري في الوقت نفسه؟

وبينما ينتظر المواطن حلولاً ملموسة، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجهات المختصة: هل حان الوقت لإعادة النظر في آليات تنظيم سوق الكراء والوساطة العقارية، بما يضع حداً للممارسات العشوائية ويعيد الثقة بين المالك والمكتري والوسيط؟

ففي نهاية المطاف، السكن ليس مجرد سلعة في السوق، بل حاجة أساسية، وحمايته من الفوضى لا تعني إلغاء حرية السوق، وإنما ضمان أن تعمل هذه السوق بقواعد واضحة وعادلة تحمي جميع أطرافها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button