رسالة حقوقية تفتح النار على الانتقائية..زهير أصدور يضع الصحافة والسياسة أمام مرآة الحقوق

الحدث الإفريقي – الرباط
في خضم الجدل المتواصل حول ما نشره الصحافي إدريس شحتان، وما صدر عن السياسي محمد أوزين، دخل زهير أصدور، رئيس مؤسسة عيون لحقوق الإنسان، على خط النقاش برسالة وجهها إلى عدد من الصحافيين والفاعلين الحقوقيين والجمعويين، دعا من خلالها إلى إخراج النقاش من منطق الاصطفاف الشخصي والسياسي، وإعادته إلى مرجعيته القانونية والحقوقية.
الرسالة، التي اختار لها أصدور عنوانا دالا: «الحقوق لا تتجزأ ولا تتغير بتغير الأشخاص»، لا تقدم نفسها باعتبارها دفاعا عن هذا الطرف أو ذاك، وإنما تطرح سؤالا أوسع يتعلق بمدى ثبات المبادئ الحقوقية عندما تتغير مواقع الأشخاص ومواقفهم.

أصدور اعتبر أن حرية الصحافة والتعبير حق دستوري وأحد أسس المجتمع الديمقراطي، غير أن حماية هذا الحق لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من النقد أو المساءلة، كما أن ممارسة العمل الصحافي تظل مرتبطة بالمسؤولية المهنية والقانونية. وفي المقابل، شدد على أن الصفة السياسية لا تجرد صاحبها من حقوقه، ولا تجعل كرامته وحياته الخاصة وحمايته القانونية مباحة، مؤكدا أن السياسي، بدوره، له الحق في الرد والنقد والتقاضي، كما يتحمل المسؤولية عن المواقف والتصريحات الصادرة عنه.
ومن خلال هذه المقاربة، يحاول أصدور نقل النقاش من سؤال «مع من؟» إلى سؤال «مع أي مبدأ؟»، رافضا أن يتحول الخلاف بين صحافي وسياسي إلى معركة اصطفافات يكون فيها الدفاع عن الحقوق مرتبطا بهوية الشخص المستفيد منها.
وتبرز الرسالة، في هذا السياق، أن الموقف الحقوقي لا ينبغي أن يكون «مع شحتان» أو «مع أوزين»، وإنما مع حرية الصحافة، ومع حرية التعبير، ومع الحق في النقد، ومع حماية الحياة الخاصة، ومع قرينة البراءة، ومع الحق في التقاضي، ومع المسؤولية القانونية عن الاتهامات، ومع استقلال القضاء.
ويبدو أن هذه النقطة تحديدا تشكل جوهر الرسالة، إذ يلفت أصدور إلى أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل ما ينشره الصحافي، كما أن انتقاد مضمون صحافي أو مساءلته قانونيا لا ينبغي أن يتحول إلى موقف من الصحافة كمهنة.
فالصحافي، وفق هذا المنطق، له الحق في ممارسة مهنته بحرية، لكنه ليس فوق النقد أو المساءلة، تماما كما أن السياسي، وإن كان شخصية عامة ويقبل بطبيعة الحال مساحة أوسع من النقد والمساءلة، لا يفقد بسبب صفته السياسية حقوقه الأساسية ولا يصبح خارج حماية القانون.
وتتوقف الرسالة أيضا عند مسألة الاتهامات، خصوصا عندما تكون محددة وخطيرة، حيث تؤكد أن مثل هذه الاتهامات تقتضي الاحتكام إلى الأدلة والمؤسسات المختصة، وليس إلى ما وصفته بالمحاكمات الرقمية أو الاصطفافات. وفي المقابل، فإن الرد على تلك الاتهامات يجب أن يتم بدوره في إطار القانون، دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة مع المهنة الصحافية برمتها.
ولا يخفي أصدور في رسالته قلقه من تحول بعض المبادئ الحقوقية إلى مواقف انتقائية، حيث يتم الدفاع عن حرية التعبير عندما يكون المستهدف قريبا من أصحاب الموقف، بينما تصبح الحرية نفسها موضع تشكيك عندما يتعلق الأمر بشخص سياسي أو مختلف في الرأي.
وفي هذا الصدد، يطرح رئيس مؤسسة عيون لحقوق الإنسان سؤالا يتجاوز أطراف الخلاف الحالي: هل يمكن أن يكون الدفاع عن الحقوق ثابتا عندما تتغير أسماء الأشخاص ومواقعهم؟
فالدفاع الحقيقي عن حرية التعبير، وفق الرسالة، لا يقاس بمن ندافع عنه اليوم، وإنما بالمبدأ الذي نتمسك به حتى عندما يكون المستفيد منه شخصا نختلف معه. وهي الفكرة التي تختصرها الرسالة في عبارة لافتة مفادها أن «الحقوق لا تكون حقوقا لأنها تحمينا عندما نكون في موقع القوة، وإنما لأنها تحمينا أيضا عندما نكون في موقع الضعف أو الاختلاف».
ويضع هذا الطرح الصحافيين والحقوقيين والجمعويين أمام اختبار لا يتعلق فقط بالقضية الحالية، وإنما بمدى انسجام الخطاب الحقوقي مع نفسه. فإذا كانت حرية الصحافة حقا، فإنها لا ينبغي أن تصبح امتيازا لصحافي دون آخر. وإذا كان الحق في النقد مكفولا، فإنه لا ينبغي أن يتحول إلى حق حصري لفئة دون أخرى. وإذا كان القانون هو المرجع، فإنه ينبغي أن يطبق على الجميع دون اعتبار للموقع السياسي أو المهني أو الاجتماعي.
ومن هنا تأتي دعوة أصدور إلى الاحتكام إلى القانون لا إلى العلاقات، وإلى الوقائع لا إلى الانطباعات، وإلى المؤسسات لا إلى المحاكمات الافتراضية، في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مجالا مفتوحا لتبادل الاتهامات وإصدار الأحكام قبل أن تقول المؤسسات المختصة كلمتها.
فالرسالة، في جوهرها، لا تبدو دفاعا عن إدريس شحتان كما أنها ليست اصطفافا مع محمد أوزين، وإنما محاولة لوضع النقاش داخل إطاره الحقوقي والقانوني، والتذكير بأن حماية حرية الصحافة لا تتعارض مع حماية حقوق الأشخاص، وأن ممارسة الحقوق لا تعني سقوط المسؤولية.
وتخلص الرسالة إلى قاعدة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تحمل دلالة كبيرة في النقاش العمومي: «لا أحد فوق النقد، كما لا أحد خارج حماية القانون».
وهو مبدأ يعني، في المقابل، أن الصحافي ليس فوق المساءلة، والسياسي ليس فوق النقد، والحقوقي ليس فوق المبدأ، والأكاديمي ليس فوق التقييم. كما يعني أن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببا في إسقاط الحقوق، وأن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة خارج القانون.
وفي الوقت الذي يتسع فيه الجدل حول حدود المسؤولية الصحافية وحدود حق السياسي في الرد، تبدو رسالة زهير أصدور محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، من خلال التأكيد على أن الخلافات السياسية والإعلامية ينبغي ألا تتحول إلى اختبار للولاءات، وإنما إلى مناسبة لاختبار مدى احترام الجميع للمبادئ التي يفترض أنها تحكم المجال العام.
فالمبدأ الحقوقي، في نهاية المطاف، لا يقاس فقط بمدى استعدادنا للدفاع عنه عندما يخدم من نؤيدهم، وإنما بقدرتنا على التمسك به عندما يخدم من نختلف معهم.
وفي هذه النقطة تحديدا تضع رسالة أصدور عنوانها في مواجهة مباشرة مع واقع النقاش العمومي: الحقوق لا تتجزأ، ولا تتغير بتغير الأشخاص.
حرية بلا حصانة، مسؤولية بلا انتقائية، وقانون واحد للجميع.



