المغرب في قلب التحول

في صباح الثلاثاء 18 غشت 2026، تبدو صورة المغرب في الصحافة الوطنية غنية بالملفات والقضايا التي تتقاطع عند عنوان واحد: مواصلة بناء دولة أكثر تنظيما، وأكثر قدرة على حماية مواردها، وتحسين خدماتها، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والأكاديمية والسياحية.
ومن أبرز ما يستوقفنا اليوم، ذلك المسار المتواصل لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية. فقد تم إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي فقدت أهليتها للاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بعد التصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين في نظام الضمان الاجتماعي بالقطاع الخاص. وتكتسي هذه الخطوة أهمية اجتماعية، لأنها تستهدف تفادي انتقال الأسرة بشكل مفاجئ من الاستفادة إلى الحرمان، عبر إمكانية استمرار الدعم لمدة تصل إلى اثني عشر شهرا.
وفي السياق ذاته، تتواصل عملية إعادة ترتيب الإدارة والخدمات العمومية. فقد تم إدخال تدابير جديدة لتبسيط ملفات التقاعد ومعاشات ذوي الحقوق التي يخولها الصندوق المغربي للتقاعد، في إطار إصلاح الإدارة وتقليص المساطر والتحول الرقمي. والمطلوب اليوم ليس فقط رقمنة الوثيقة، وإنما جعل المواطن يشعر فعلا بأن الإدارة أصبحت أسرع وأبسط وأكثر قربا منه.
أما في مجال حماية القدرة الشرائية وتنظيم السوق، فتتجه السلطات إلى تعزيز آليات الرصد والمراقبة من خلال إحداث مرصد للأسعار والمنافسة وقسم يهتم بالسوق الوطنية والمدخرات الاحتياطية. وهي آليات تكتسي أهمية خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية، لأن تأمين المواد الغذائية والمواد الأولية والموارد الطاقية لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح جزءا من الأمن الوطني بمفهومه الواسع.
ومن الأمن الاقتصادي إلى الأمن المائي، تأتي الأخبار القادمة من السدود المغربية لتبعث على قدر من الارتياح. فقد بلغت نسبة الملء الإجمالية حوالي 68,66 في المائة، بما يقارب 11,69 مليار متر مكعب، مقابل 34,54 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. إنها أرقام إيجابية، لكنها في الوقت نفسه تفرض استمرار اليقظة وحسن تدبير المياه، لأن المغرب يعرف جيدا أن الأمن المائي لا يقاس فقط بما يوجد في السدود اليوم، وإنما أيضا بقدرتنا على المحافظة على هذه الموارد للأجيال المقبلة.
وفي الاقتصاد والاستثمار، تبرز عودة مغاربة العالم إلى صدارة الاهتمام. فالحكومة تتجه إلى تقديم حوافز جديدة لاستقطاب استثمارات المغاربة المقيمين بالخارج، في إطار الميثاق الجديد للاستثمار. وهذه السياسة تحمل بعدا اقتصاديا ووطنيا في آن واحد، لأن مغاربة العالم ليسوا فقط مصدرا للتحويلات المالية، بل هم أيضا كفاءات وشبكات اقتصادية وخبرات يمكن أن تساهم في خلق المقاولات وفرص الشغل ونقل التكنولوجيا.
واللافت أن ملف مغاربة العالم حاضر أيضا في التنمية الترابية. فقد اختتمت بإملشيل الدورة الثامنة لمهرجان مغاربة العالم، بمشاركة أكثر من مائة مشارك ومشاركة من المغرب ومن عدد من البلدان الأوروبية وكندا. والرسالة الأهم هنا أن العلاقة مع مغاربة العالم ينبغي أن تنتقل من مناسبات موسمية إلى شراكة مستمرة في التنمية.
وفي الإطار نفسه، تستعد الجهات والأقاليم للدخول في مرحلة جديدة من تدبير التنمية، تقوم على برامج تراعي خصوصية كل مجال ترابي وحاجيات سكانه وإمكاناته. وهذه النقلة مهمة، لأن التنمية لا يمكن أن تكون نسخة واحدة في جميع المناطق؛ فما تحتاجه المدن الكبرى ليس بالضرورة هو ما تحتاجه المناطق الجبلية أو القروية أو الواحات.
وفي الرباط، يبرز افتتاح الشباك الوحيد بغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بهدف مواكبة التجار والمهنيين وتسهيل إجراءات الحصول على التراخيص المرتبطة باستغلال الملك العمومي وبعض الأنشطة التجارية واللوحات واللافتات. وهنا أيضا يظهر الرهان على جعل الإدارة شريكا للمهني، لا مجرد جهة تمنح الترخيص أو ترفضه.
وفي قطاع الطاقة، يأتي خبر دخول أكبر محطة شمسية عائمة في إفريقيا حيز الخدمة بميناء طنجة المتوسط ليؤكد أن الطاقات المتجددة أصبحت جزءا متزايد الأهمية من النموذج الاقتصادي المغربي. المشروع، الذي يضم حوالي 22,624 لوحة شمسية مثبتة على دعامات عائمة، يجمع بين إنتاج الطاقة وتقليص البصمة الكربونية، مع الاستفادة من فضاء مائي بدل استهلاك مساحات إضافية من الأراضي.
وفي التعليم العالي، تسعى جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى تعزيز موقعها في التصنيف الأكاديمي العالمي لشنغهاي، بعدما تمكنت من دخول فئة أفضل ألف جامعة في العالم. وهو تطور يستحق التوقف عنده، لأن قوة الدول في المستقبل لن تقاس فقط بالبنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج المعرفة والبحث العلمي والابتكار.
أما في مجال النقل الجوي، فقد استقبلت المطارات المغربية حوالي 18,83 مليون مسافر خلال النصف الأول من سنة 2026، بارتفاع يقارب 8,83 في المائة. ويبرز مطارا محمد الخامس ومراكش-المنارة في صدارة هذه الدينامية. وهذه الأرقام تعكس استمرار جاذبية المغرب سياحيا واقتصاديا، خصوصا مع اقتراب المملكة من استحقاقات دولية كبرى ستفرض تطويرا متواصلا للبنيات والخدمات.
وفي السياحة، تظهر أكادير ضمن عشر وجهات موصى بها لقضاء عطلة شهر شتنبر، مستفيدة من شواطئها ومناخها ودفء مياهها. وهو اختيار يؤكد مرة أخرى أن السياحة المغربية لا تعتمد فقط على الموسم الصيفي التقليدي، بل تملك مؤهلات تسمح بتمديد الموسم واستقطاب الزوار على مدار السنة.
وفي الجانب الاجتماعي والمعيشي، تتوقف الصحف عند تراجع أسعار الدلاح بشكل حاد، بعدما وصلت في بعض مناطق الإنتاج إلى حوالي 50 سنتيما للكيلوغرام، نتيجة وفرة العرض وتراجع الصادرات. وهذه الصورة تذكرنا دائما بأن انخفاض السعر بالنسبة للمستهلك قد يتحول إلى أزمة بالنسبة للفلاح، ولذلك فإن التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن يحمي المستهلك والمنتج معا.
وفي القطاع المالي، سجلت الحاجة إلى السيولة البنكية خلال يوليوز تراجعا إلى 125,7 مليار درهم، فيما بلغت تدخلات بنك المغرب حوالي 144,1 مليار درهم. وهذه المؤشرات تعكس استمرار تدخل السياسة النقدية في مواكبة حاجيات النظام البنكي والحفاظ على توازن السوق المالية.
وفي ملف الحيوانات الضالة، دخل القانون رقم 19.25 حيز التنفيذ بإطار جديد لتدبير هذه الظاهرة، يتضمن مراكز للتكفل والإيواء والتلقيح والتعقيم والتتبع الرقمي، إلى جانب مقتضيات تتعلق بمنع إطعام الحيوانات في بعض الفضاءات العامة وغرامات قد تصل إلى 2000 درهم. والتحدي هنا هو أن يتم تنزيل القانون بطريقة تجمع بين حماية المواطنين، واحترام الرفق بالحيوان، ومعالجة الظاهرة من جذورها.
وبيئيا، تتواصل المبادرات التي تربط التربية البيئية بالتكنولوجيا. ومن مدينة آسفي، تأتي مبادرة تستعمل الذكاء الاصطناعي للتوعية بمخاطر التلوث البلاستيكي وتأثيراته على البحر والكائنات البحرية، في رسالة مفادها أن حماية البيئة لم تعد مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية المدرسة والأسرة والمجتمع والمواطن.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يواصل المغرب تعزيز علاقاته مع شركائه. فقد بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى رئيس جمهورية الغابون بمناسبة ذكرى استقلال بلاده، مؤكدا الحرص على مواصلة العمل المشترك من أجل شراكة أكثر ازدهارا وقوة. كما وجه جلالته برقية تهنئة إلى رئيسة جمهورية الهند بمناسبة عيد استقلال بلادها، مجددا الاعتزاز بعلاقات الصداقة والتعاون بين البلدين.
وهكذا، فإن قراءة صحف هذا الصباح لا تقودنا إلى خبر واحد، وإنما إلى لوحة وطنية متعددة الألوان: ماء، استثمار، حماية اجتماعية، إدارة، طاقة، تعليم، سياحة، نقل، بيئة، تجارة ودبلوماسية.
والقاسم المشترك بين كل هذه الملفات هو أن المغرب يعيش مرحلة تتطلب الانتقال من تدبير التحديات إلى استباقها، ومن معالجة الاختلالات إلى بناء منظومات أكثر صمودا. فالماء يحتاج إلى تخطيط طويل المدى، والاستثمار يحتاج إلى ثقة وتبسيط، والتعليم يحتاج إلى جودة وبحث علمي، والإدارة تحتاج إلى سرعة وفعالية، والتنمية تحتاج إلى عدالة مجالية.
إنها ليست مجرد عناوين صحف صباحية، بل مؤشرات على مغرب يتحرك في أكثر من ورش في الوقت نفسه. وبين الأرقام والمشاريع والقوانين، يبقى السؤال الأساسي: إلى أي حد سينعكس هذا الحراك مباشرة على الحياة اليومية للمواطن؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لكل إصلاح، ولكل مشروع، ولكل سياسة عمومية.



