
الحدث الإفريقي – الرباط
لم يكن التكتل الديمقراطي، منذ تأسيسه، مشروعا حزبيا جديدا يبحث عن موقع في الخريطة السياسية، ولا محاولة لتأسيس بديل حزبي مواز. كان، في جوهره، إطارا مدنيا احتضن عددا من الأطر والفاعلين السياسيين المنتمين إلى أحزاب مختلفة، ومنحهم فضاء للعمل والتنسيق، دون أن يفرض عليهم التخلي عن انتماءاتهم الحزبية.
وهذه الخصوصية هي التي تجعل تجربة التكتل الديمقراطي مختلفة عن التجارب التنظيمية التقليدية؛ فهو لم ينشأ لمنافسة الأحزاب أو سحب أعضائها منها، وإنما ليشكل مساحة مشتركة تلتقي فيها نخب سياسية ومدنية متعددة المشارب، مع احتفاظ كل طرف بانتمائه وموقعه.
فقد تأسس التكتل من شخصيات تنتمي إلى أحزاب سياسية متعددة، من حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة وجبهة القوى الديمقراطية، إلى جانب أطر نقابية وجمعوية وفعاليات ذات انتماءات سياسية مختلفة، لتلتقي داخل إطار مدني لا يحمل صفة الحزب، ولا يخضع بالتالي للمنطق التنظيمي الذي يحكم الانتماء الحزبي وما يرتبط به من التزامات وآثار تنظيمية.
كان الرهان واضحا: خلق مساحة سياسية ومدنية قادرة على احتضان الاختلاف، بدل تحويل الاختلاف إلى سبب للإقصاء.
ومن هنا، فإن المسار الذي عرفه التكتل خلال السنوات الأخيرة لا ينبغي اختزاله في عبارات من قبيل «تفكك التكتل» أو «انتهاء التجربة». فانتقال عدد من أعضائه إلى أحزاب مختلفة لا يعني بالضرورة فشل الإطار، بل قد يكون دليلا على أنه أدى وظيفة مختلفة: احتضان النخب، المحافظة على تعدديتها، وتوفير فضاء للعمل المشترك، قبل أن تتجه مسارات أعضائه إلى مواقع حزبية وانتخابية مختلفة.
ولعل انتخابات 2026 تقدم أوضح صورة على هذه الدينامية. فآخر فصولها جاء من فاس، بعدما حظي نائب رئيس التكتل الديمقراطي والمحاسب رشيد بلبوخ بثقة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتمت تزكيته لخوض الانتخابات التشريعية بدائرة فاس الجنوبية.
لكن قصة بلبوخ لا تبدأ من الاتحاد الاشتراكي. إنها تبدأ من التكتل الديمقراطي، الذي كان أحد الفضاءات التي احتضنت تجربته السياسية والمدنية، قبل أن يجد نفسه اليوم مرشحا باسم حزب تاريخي، وفي دائرة انتخابية تحتاج إلى حضور قوي وشبكة علاقات وقدرة على خوض المنافسة.
والمشهد لا يتوقف عند بلبوخ. ففي نهاية سنة 2024، التحق فريق من التكتل الديمقراطي، يتقدمه رئيس التكتل زهير أصدور، بحزب الحركة الشعبية، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي من داخل مؤسسة حزبية.
كما اختار فريق آخر من الوجوه التي كانت تمثل الجناح النقابي داخل التكتل الالتحاق بحزب الديمقراطيين الجدد، ومن بينهم علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، الذي تمت تزكيته بدائرة المحيط بالرباط، إلى جانب أمين لحميدي، عضو المكتب التنفيذي للتكتل، الذي تمت تزكيته بدائرة سلا الجديدة.
ثم جاء التحاق مؤسس التكتل الديمقراطي حميد شباط، ونائبة رئيس التكتل والبرلمانية ريم شباط، بحزب الحركة الشعبية، فيما اختار عدد من مستشاري التكتل خوض غمار الانتخابات التشريعية تحت راية حزب جبهة القوى الديمقراطية، الذي يقوده أمينه العام المصطفى لمفرك. ويتعلق الأمر بعبد الفتاح العاوني، الذي تمت تزكيته بدائرة مكناس، وعبد العالي أبو مهدي، الذي تمت تزكيته بدائرة فاس الجنوبية.
هنا تحديدا تظهر القيمة السياسية للتجربة. فأعضاء إطار مدني واحد أصبحوا اليوم موزعين على عدد من الأحزاب السياسية، لكنهم لم يكونوا مضطرين إلى التخلي عن انتماءاتهم أو الدخول في قطيعة مع الحياة الحزبية من أجل العمل المشترك داخل التكتل.
وهذه ليست مفارقة سلبية، بل ربما هي جوهر الفكرة التي قام عليها التكتل. ففي مشهد سياسي كثيرا ما تتحول فيه الانتماءات الحزبية إلى جدران فاصلة بين الفاعلين، حاول التكتل الديمقراطي أن يقدم صيغة مختلفة: أن يكون بإمكان المناضل الحزبي أن يحتفظ بموقعه داخل حزبه، وفي الوقت نفسه يجد فضاء مدنيا للعمل مع آخرين لا يشاطرونه الانتماء نفسه.
بعبارة أخرى، لم يكن التكتل يريد أن يسحب الأعضاء من أحزابهم، بل أن يمنحهم مساحة إضافية للعمل السياسي والمدني.
ومن هذه الزاوية، فإن انتشار أعضائه بين الأحزاب لا يصح قراءته باعتباره هزيمة للتجربة. فلو كان التكتل مشروعا حزبيا، لكان انتقال أعضائه إلى أحزاب أخرى يعني بالضرورة إفراغه من مضمونه. أما وقد كان إطارا مدنيا منذ البداية، فإن تقييم تجربته ينبغي أن يستند إلى معيار مختلف: هل استطاع أن يجمع المختلفين؟ هل منحهم مجالا للعمل؟ وهل تمكن أعضاؤه من الانتقال من العمل داخل فضاء مدني عابر للأحزاب إلى المنافسة داخل المؤسسات الحزبية والانتخابية؟
والمؤشرات التي تقدمها انتخابات 2026 تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا. فالتكتل يبدو أنه تحول، عمليا، إلى ما يشبه مشتلا للنخب السياسية؛ لم ينتج حزبا واحدا، وإنما ساهم في رفد عدة أحزاب بوجوه وتجارب وفاعلين ينتمون إلى مدارس سياسية مختلفة. والمشتل لا يحتفظ بكل ما ينبت داخله. وظيفته أن يوفر البيئة المناسبة للنمو، ثم تذهب الثمار إلى فضاءات مختلفة.
وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث مع التكتل الديمقراطي. توزعت مسارات أعضائه بين الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والديمقراطيين الجدد وجبهة القوى الديمقراطية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن التجربة فقدت معناها. تعددت الوجهات، لكن التجربة الأم واحدة.
وهنا تبرز دلالة سياسية أعمق من مجرد انتقال أسماء بين الأحزاب. فالتكتل الديمقراطي يطرح، بشكل غير مباشر، سؤالا حول قدرة الأطر المدنية العابرة للأحزاب على توفير فضاءات للحوار والعمل والتنسيق قد تعجز أحيانا البنية الحزبية التقليدية عن توفيرها.
هل أصبحت هذه الأطر مساحة لاستيعاب النخب التي تبحث عن هامش أوسع للحركة، دون أن تضطر إلى مغادرة انتماءاتها السياسية؟
وهل يمكن أن تكون مثل هذه التجارب مؤشرا على أزمة في الوساطة الحزبية التقليدية، حيث لم يعد الحزب وحده هو الفضاء الذي تتشكل داخله النخب والعلاقات والمشاريع السياسية؟
هذه الأسئلة تتجاوز التكتل الديمقراطي نفسه، وتمس طبيعة العمل السياسي وآليات إعادة إنتاج النخب في المغرب.
ولذلك فإن السؤال السياسي الحقيقي ليس: أين ذهب أعضاء التكتل الديمقراطي؟ بل، ماذا أضاف التكتل إلى هؤلاء الأعضاء، وماذا سيضيفون هم بدورهم إلى الأحزاب التي اختاروا الترشح باسمها؟
وهنا تصبح الانتخابات التشريعية لسنة 2026 محطة اختبار حقيقية. فالتزكيات الانتخابية ليست مجرد مكافآت تنظيمية، وإنما اختبار للقدرة على تحويل الرصيد المدني والسياسي إلى حضور انتخابي. والانتقال من العمل داخل إطار مدني إلى المنافسة باسم حزب يفرض على كل واحد من هؤلاء الفاعلين أن يثبت أن تجربته لم تكن مجرد نشاط نخبوي، بل قادرة على الوصول إلى الناخب والتأثير في الاختيار الانتخابي.
وفي المقابل، فإن الأحزاب التي استقبلت هذه الوجوه لا تستقبل أفرادا معزولين عن التجربة، وإنما تستفيد من رصيد بشري وسياسي تشكل داخل فضاء عابر للانتماءات الحزبية.
وهنا يمكن أن تكمن القيمة المضافة الحقيقية. فالأحزاب تحتاج إلى النخب، لكن النخب تحتاج أيضا إلى فضاءات تسمح لها بالحركة والتواصل وتبادل الخبرات والعمل خارج الحدود التنظيمية الصارمة.
لقد جاء التكتل الديمقراطي ليملأ جزءا من هذه المساحة. ولذلك فإن تطور التكتل، إذا انتقل من مرحلة الاحتضان والتنسيق إلى مرحلة إعادة توزيع النخب داخل المؤسسات الحزبية، لا ينبغي أن يقاس بعدد أعضائه المتبقين داخل الإطار، وإنما بما تركه من أثر في المشهد السياسي، وبما استطاع أعضاؤه أن يحققوه داخل الأحزاب التي اختاروا العمل من خلالها.
قد تتغير الأطر، وقد تتعدد الأحزاب، لكن الفكرة التي جمعت هؤلاء الفاعلين يمكن أن تستمر بأشكال مختلفة.
وهذه هي المفارقة السياسية التي تجعل تجربة التكتل الديمقراطي جديرة بالتأمل قبيل انتخابات 2026:
لم يؤسس التكتل حزبا، لكنه ساهم في صناعة مرشحين لأحزاب متعددة. لم يطلب من أعضائه التخلي عن انتماءاتهم، بل احتضن اختلافها. ولم يكن هدفه أن ينافس الأحزاب، وإنما أن يوفر لنخبها فضاء للعمل المشترك.
وفي لحظة تعاني فيها الحياة الحزبية من أسئلة متزايدة حول الاستقطاب والثقة وتجديد النخب والقدرة على الوساطة، تقدم هذه التجربة درسا سياسيا يستحق النقاش: أحيانا لا تحتاج السياسة إلى حزب جديد بقدر ما تحتاج إلى فضاء جديد يسمح للنخب القديمة والجديدة بأن تلتقي دون أن تضطر إلى إلغاء اختلافاتها.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يبدو اليوم تفرقا لأعضاء التكتل بين الأحزاب قد يكون، في القراءة الأعمق، انتشارا لثمار تجربة مدنية واحدة داخل أكثر من حقل حزبي. ويبقى صندوق الاقتراع هو الحكم الأخير.
فإذا استطاع هؤلاء الفاعلون تحويل التجربة التي راكموها داخل التكتل إلى نتائج انتخابية ومواقع مؤسساتية، فسيكون التكتل الديمقراطي قد تجاوز بكثير حدود الإطار الذي تأسس داخله.
وفي النهاية، لن يكون الحكم على التكتل بعدد من بقي داخله، وإنما بعدد من استطاع أن يصنع لنفسه موقعا مؤثرا خارجه.



