Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الترحال الحزبي بين حرية الانتماء ومسؤولية التمثيل الانتخابي

اللي فرط يكرط

ألمانيا-منير لكماني

لا تختبر الأحزاب السياسية فقط حين تخوض الانتخابات، بل تختبر قبل ذلك حين تقرر من يستحق أن يحمل ألوانها ويدافع عن مشروعها أمام الناس.

ففي مواسم الاستحقاقات، تظهر إلى السطح ظاهرة قديمة تتجدد بأشكال أكثر وضوحا: مرشح يغادر حزبا ليلتحق بآخر، ومنتخب يغير موقعه بمجرد أن تتراجع فرص التزكية، وآخر يتنقل بين أكثر من تنظيم وكأن الانتماء السياسي مجرد بطاقة موسمية تنتهي صلاحيتها بانتهاء المصلحة.

المشكلة ليست في أن يراجع الإنسان قناعاته، فالفكر السياسي ليس سجنا، والانتماء الحزبي لا يمكن أن يكون مؤبدا. لكن الأمر يصبح مختلفا عندما تتحول المراجعة إلى عادة انتخابية، ويغدو الحزب مجرد وسيلة للوصول إلى المقعد. عندها لا نكون أمام تحول فكري، بل أمام انتهازية سياسية تفرغ التنافس الديمقراطي من مضمونه.

وقد حاول المشرع المغربي تطويق جانب من هذه الظاهرة من خلال القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية. وتنص المادة 22 منه على ما يلي:«يمكن لكل عضو في حزب سياسي، وفي أي وقت شاء، أن ينسحب منه، شريطة مراعاة المسطرة المنصوص عليها في النظام الأساسي للحزب في هذا الشأن، مع مراعاة أحكام المادة 20 من هذا القانون التنظيمي.»النص واضح في تكريس حرية الانسحاب من الحزب، وهي حرية طبيعية في أي نظام ديمقراطي. فلا معنى لإجبار مواطن على البقاء داخل تنظيم لم يعد يقتنع بمشروعه. غير أن الإحالة على المادة 20 ليست تفصيلا عابرا، لأنها تربط هذه الحرية بمسؤولية المنتخب الذي حصل على مقعده باسم حزب محدد.

فالمقعد الانتخابي لا يولد من الشخص وحده. وراءه رمز حزبي، وآلة تنظيمية، وبرنامج معلن، ومناضلون، وناخبون اختار بعضهم الحزب قبل أن يختار المرشح. لذلك لا يمكن التعامل معه كما لو كان ملكية شخصية يحملها المنتخب معه حيث شاء. والتخلي عن الحزب أثناء مدة الانتداب يمس، في جانب منه، بالعقد السياسي الذي قام عليه التصويت.لكن المعضلة أوسع من سلوك الأفراد.

فحين تفتح الأحزاب أبوابها لكل وافد يملك رصيدا انتخابيا، من دون اعتبار لمساره أو انسجامه مع مبادئها، تصبح هي الأخرى شريكة في صناعة الظاهرة التي تنتقدها. ويحل منطق العدد محل منطق المشروع، وتتحول التزكية إلى استثمار قصير الأجل في شخص يعتقد أنه قادر على جلب الأصوات.

هنا تبدأ السياسة في فقدان مضمونها. فالمرشح لا يعود مضطرا إلى الدفاع عن رؤية أو برنامج، والحزب لا يعود مضطرا إلى بناء أطره على المدى الطويل، والناخب يعامل في النهاية كزبون داخل سوق تتغير فيها العلامات، بينما تبقى تقنيات التسويق نفسها.

ومن ثم، يبدو من المشروع فتح نقاش تشريعي حول تعزيز المادة 22 وربطها بصورة أكثر صرامة بأحكام المادة 20. ويمكن، مثلا، إقرار فترة انتظار مدتها ثلاث سنوات قبل السماح لمن تخلى بإرادته عن الحزب الذي انتخب باسمه بالترشح تحت راية حزب آخر. والغاية ليست معاقبة تغيير الرأي، وإنما جعل الانتقال الحزبي قرارا سياسيا مسؤولا لا مناورة تسبق الانتخابات بأسابيع أو أشهر.

وبالطبع، يحتاج مثل هذا التعديل إلى ضمانات دقيقة، تراعي حالات حل الحزب أو اندماجه أو الطرد غير المبرر، وتحفظ الحقوق الدستورية وحرية الاختيار السياسي.«اللي فرط يكرط» ليست، في هذا السياق، مجرد عبارة شعبية ساخرة، بل تختصر قاعدة أخلاقية تصلح للسياسة أيضا: من فرط في التزام قدم نفسه من خلاله إلى الناخبين، فعليه أن يتحمل كلفة اختياره.

فالديمقراطية لا تستقيم بكثرة المقاعد، بل بوضوح المواقف، واستقرار الالتزامات، وإمكانية المحاسبة. وحين تصبح التزكية امتدادا للمبدأ لا جسرا للمصلحة، يستعيد الحزب معناه، ويستعيد الناخب حقه في أن يعرف لمن منح صوته، ولماذا؟.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button