أخبارإفريقياالذكاء الاصطناعي AIالرئيسيةالرادار الافريقي

الساحل الافريقي يرتب أوراقه السياسية وتحالفات تبحث عن مخرج

الرادار الإفريقي-صباح يوم السبت 22 غشت 2026

عين الرباط على إفريقيا

يبدو أن منطقة الساحل تدخل مرحلة جديدة لا تُقاس فقط بعدد العمليات المسلحة، وإنما بمدى قدرة دول المنطقة على إعادة بناء منظومة تعاون إقليمي تتجاوز الانقسامات السياسية التي عمّقتها السنوات الأخيرة.

وفي واجهة هذا التحول تبرز العلاقة المتوترة بين نيجيريا ودول تحالف الساحل؛ إذ تتقاطع التهديدات الأمنية على الحدود، بينما تتباعد المقاربات السياسية والأمنية بين الطرفين. وتأتي هذه الخلافات في وقت لا تزال فيه جماعات مثل «بوكو حرام» و«داعش في غرب إفريقيا» تنشط في المنطقة الممتدة بين نيجيريا والنيجر وحوض بحيرة تشاد.

المفارقة أن الخطر واحد تقريبًا، لكن طرق مواجهته أصبحت متعددة. وهذه هي إحدى أكبر مشكلات الساحل اليوم؛ الجغرافيا تفرض التعاون، والسياسة تدفع نحو التباعد.فهل تتجه غرب إفريقيا نحو تسوية جديدة؟

المؤشرات الأخيرة تكشف وجود محاولات لإعادة فتح قنوات الحوار بين الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» ودول تحالف الساحل، في ظل استعداد روسي للمساهمة في تطبيع العلاقات بين الطرفين.

وهنا تبرز مسألة تتجاوز الخلاف حول الانقلابات العسكرية أو النفوذ الغربي والروسي: هل تستطيع غرب إفريقيا إنتاج هندسة أمنية جديدة من داخل القارة، بدل الاعتماد على ترتيبات تأتي من الخارج؟

السؤال يبدو أكثر إلحاحًا لأن الأزمة الأمنية لم تعد محصورة في مثلث مالي–بوركينا فاسو–النيجر؛ فالتداعيات تمتد نحو الدول الساحلية، وعلى رأسها نيجيريا.

مؤشر إفريقيا

المؤشر الأمني هذا الصباح ثقيل الدلالة: تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالعنف الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المسلحة في إفريقيا 20 ألف وفاة خلال 2026 للسنة الرابعة على التوالي، وفق مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية. والأكثر إثارة للقلق أن منطقة الساحل وحدها سجلت 9,928 وفاة مرتبطة بالعنف المسلح، مع استمرار تصدر بوركينا فاسو ومالي والنيجر قائمة المناطق الأكثر تضررًا.

أما بيانات الربع الأول من 2026 فتشير إلى 2,640 و فاة مرتبطة بالنزاعات و1,179 حادثًا أمنيًا في منطقة الساحل الأوسط، إلى جانب نحو 2.8 مليون نازح داخليًا . وهوما يعني ببساطة أن أزمة الساحل لم تعد أزمة «مكافحة إرهاب» فقط، وإنما أصبحت أزمة دولة ومجتمع واقتصاد وحدود وتنمية. فالمشهد لا ينفصل عن سباق آخر يجري في القارة، سباق المعادن الاستراتيجية.

فإفريقيا تمتلك نحو30% من المعادن الحيوية عالميًا، بينما لا تزال نسبة كبيرة من ثروتها المعدنية غير مستكشفة. وهذا يجعل الأمن في المناطق الغنية بالموارد جزءًا من معادلة المنافسة الدولية على الطاقة والتكنولوجيا والتحول الصناعي.

وفي الساحل تحديدًا، بدأت ثروات مثل الليثيوم تدخل بصورة متزايدة في النقاش حول العلاقة بين التعدين والأمن والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي.  وهكذا يصبح السؤال الحقيقي؛ هل تستطيع دول الساحل حماية مواردها وتحويلها إلى قيمة مضافة، أم أن الثروات ستتحول إلى وقود جديد للصراع؟

نيجيريا والساحل..اختبار الجوار الإفريقي

نيجيريا ليست مجرد دولة مجاورة لدول الساحل؛ إنها القوة الاقتصادية والديموغرافية الكبرى في غرب إفريقيا. ولذلك فإن استمرار التباعد بينها وبين عواصم تحالف الساحل ستكون له كلفة تتجاوز الحدود الوطنية.

فالجماعات المسلحة لا تعترف بالحدود السياسية، بينما لا تزال الاستجابات الأمنية والسياسية موزعة بين تحالفات متنافسة. وهنا تكمن المفارقة الإفريقية الكبرى: التنظيمات المسلحة تتحرك إقليميًا، بينما الدول لا تزال تواجهها غالبًا بأدوات وطنية.

زاوية الرباط

من منظور مغربي، تظل تحولات الساحل ذات أهمية استراتيجية مباشرة، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، ولكن لأن استقرار غرب إفريقيا والساحل يرتبط بالأمن والتنمية والتجارة والهجرة والطاقة.

وكلما ازداد البحث الإفريقي عن شراكات جديدة، تبرز الحاجة إلى مقاربة تقوم على التنمية والربط الاقتصادي وبناء الثقة إلى جانب التعاون الأمني. والساحل لا يبحث اليوم فقط عن حليف جديد؛ بل يبحث عن صيغة جديدة للأمن والسيادة والتنمية.

والمرحلة المقبلة قد لا تحددها فقط نتائج المواجهة مع الجماعات المسلحة، بل قدرة دول المنطقة على الإجابة عن سؤال أكبر؛ هل تستطيع إفريقيا أن تبني أمنها الإقليمي بقرار إفريقي، وتحول ثرواتها من مصدر للتنافس والصراع إلى محرك للتنمية والاستقلال الاقتصادي؟ ذلك هو السؤال الذي سيظل على شاشة الرادار الإفريقي.

نقرأ إفريقيا من الرباط..ونقرأ العالم من إفريقيا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button