أخبارالرئيسيةتقارير وملفات

سيكولوجية الناخب المغربي ومحددات التصويت في المغرب5/2

على ضوء انتخابات 23 شتنبر 2026

بقلم: كريم الشرقاوي

ثانياً: الأبعاد المحددّة للسلوك الانتخابي للناخب المغربي: قراءة سوسيولوجية مركّبة

يصعب بناء نموذج نظري لفهم السلوك الانتخابي للمجتمع المغربي دون الرجوع إلى دراسة التطور التاريخي للمسار برمته وكيف لعب المدبر للإشراف الإداري للانتخابات (وزارة الداخلية) دوراً مفصلياً في تشكيل بنية الاختيار الانتخابي للمجتمع المغربي، بالإضافة إلى كون المجتمع المغربي تاريخياً يتميز بدينامية داخلية تولد تناقضات بين مختلف المستويات التي يتشكل منها الواقع الاجتماعي وتمنحه طابع التركيب وغياب التوافق والانسجام التام بين مكوناته. وتختلف هذه الدينامية بين المجال الحضري، وشبه الحضري، والقروي.

ومن ثمّ، تتداخل في صناعة القرار الانتخابي للناخب المغربي شبكة معقدة من المحدِّدات التقليدية والحديثة؛ فالصوت الانتخابي ليس مجرد موقف سياسي عقلاني محض يتأسس على المفاضلة البرامجية المنبثقة عن أيديولوجية معينة، بل هو محصلة لتفاعل بنيات اجتماعية، وثقافية، واقتصادية تتفاوت درجتها بحسب السياق الترابي والمستويات المعيشية والثقافية. ويمكن دمج وتطوير هذه المحددات في أربعة محاور وأبواب رئيسية تضم تمانية أبعاد أساسية:

2.1. البعد الأول: البعد القبلي والإثني والعائلي (روابط القرابة والعصبية الترابية)

يُشكل البعد القبلي والروابط العائلية (روابط القرابة والعصبية الترابية) أحد أهم المحدّدات الهيكلية الراسخة في تفسير السلوك الانتخابي وتشكيل الخارطة السياسية، لاسيما في المجال القروي والبيئات شبه الحضرية. ورغم مسار التحديث المؤسساتي والتحولات الديموغرافية، لا تزال العلاقات الدموية والتضامنات العصبية تُمارس أدواراً محورية في توجيه الكتلة الناخبة وضبط ديناميات التنافس الانتخابي المحلي وفق مجموعة من الأبعاد التي تحدد السلوك الانتخابي والشرعية المحلية:

  • الصوت الانتخابي كمورد جماعي وفضاء رمزي: لا يتعامل مع الصوت الانتخابي في العديد من الدوائر بصفته خياراً فردياً مكفولاً بحرية الرأي، بل يُنظر إليه كمورد جماعي مشاع ملك للعائلة الممتدة أو القبيلة. ويُستغل هذا المورد لحماية المصالح الترابية، والولوج للخدمات، وصيانة المكانة الرمزية للعائلة / القبيلة  في مواجهة العائلات أو القبائل المنافسة داخل المجال الترابي.
  • تراجع البُعد البرامجي لصالح “ابن العشيرة”:  يتراجع التقييم العقلاني للبرامج الحزبية والمشاريع التنموية لصالح منطق “ابن الجماعة” أو “مرشح العائلة”. وتصبح درجة القرابة والالتزام بالعصبية الترابية والدموية هي المحك الأساسي لبناء الشرعية الانتخابية، حيث يُعد التصويت لمرشح من خارج المكون العائلي / القبلي نوعاً من الخروج عن التضامن الجماعي.
  • إعادة إنتاج نفوذ الأعيان: تُوفر هذه الدينامية خلفية خصبة لتجدد نفوذ الأعيان والوجهاء المحليين؛ إذ يستند هؤلاء إلى الرصيد الرمزي والشبكات العائلية القائمة لضمان استمرارية موقعهم في السلطة المحلية، مما يُفرغ المنافسة الانتخابية الحزبية من مضمونها السياسي ويجعل الأحزاب مجرد تزكيات شكلية لشرعيات قبلية وعائلية سابقة للوجود الحزبي.
  • الهندسة الترابية والترابطات المحلية: يُسهم نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي في الدوائر الضيقة في تغذية هذا البعد، حيث يُصبح حجم العصبية العائلية والقدرة على حشد القرابات العابرة للقرى والجماعات العامل الحاسم في تحديد الفائز، متجاوزاً بذلك الانتماءات الإيديولوجية أو السياسية.

يُبرز هذا التشخيص أن الديمقراطية التمثيلية على المستوى المحلي تُعيد تكيفها مع البنيات التقليدية، حيث تُطوع القرابة والعصبية الترابية الأدوات الحديثة للاقتراع لإعادة إنتاج التوازنات العائلية والقبيلة ذاتها داخل المؤسسات المنتخبة.

2.2. البعد الثاني: أبعاد الاقتصاد السياسي وشبكات المنفعة الشخصية (اقتصاد المبادلة والخدمات المباشرة)

يتأسس السلوك الانتخابي في جانب واسع منه على منطق “المبادلة النفعية” المباشرة بين الناخب والمرشح، فيما يُعرف بسوسيولوجيا “خدمة الوجاهة” والنفوذ الشبكي، حيث يتحول التصويت إلى أداة لمقايضة الخدمة بالصوت؛ حيث يقدم الأعيان والمرشحون منافع ظرفية (مساعدات مالية، توفير فرص عمل مؤقتة، التكفل بمصاريف اجتماعية) أو تدخلاً لتقديم وساطة إدارية وتسهيل المآرب شبه القانونية، يزدهر هذا البعد بشكل خاص في المجالات الأكثر هشاشة وكثافة سكانية ضعيفة، حيث يُنظر إلى الوعد الانتخابي ذي الأثر المادي المباشر بكونه أكثر موثوقية من الوعود التنموية المؤجلة التي تتضمنها البرامج الحزبية الرسمية.

2.3. البعد الثالث: بعد العمل المدني والجمعوي (المشاتل الانتخابية الموازية)

شكل المجتمع المدني المغربي منذ الاستقلال دعامة أساسية للتنمية والديمقراطية عبر تنوع أدواره وتطور إطاره القانوني المحفز على المشاركة والمواطنة. وقد تحول العمل الجمعوي إلى مكون مركزي وفاعل محوري في التأطير وتنشيط الحياة العامة؛ نتيجة تراكم تاريخي وثقافي، وتنامي الوعي بأهمية المبادرة المدنية لمواجهة التحديات التنموية والحقوقية. وفي هذا السياق، انخرطت جمعيات متعددة (ثقافية، وحقوقية، ونسائية، وشبابية، وبيئية) في ترسيخ قيم الحداثة، وفتح فضاءات للنقاش العمومي والمرافعة الميدانية.

ولقد أدى هذا الزخم المدني إلى تعزيز الثقافة الديمقراطية ودعم مشاريع الإصلاح، وترسيخ قيم المشاركة والمساءلة. كما شكل المجتمع المدني رافداً مهماً للأحزاب التقدمية بالأساس، ومشتلاً للتنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وذلك إلى غاية تسعينيات القرن الماضي؛ حيث غمرت الساحةَ الجمعياتُ “التنموية و الإجتماعية” التي ركزت على مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي غالباً ما تأسست بجهود فعاليات حزبية لخدمة أجندتها الخاصة. وبذلك، انحرفت العديد من هذه الجمعيات عن ممارسة أدوارها في التنمية والتأطير، لتؤدي وظيفة “شبكات زبائنية موازية ومشاتل للمنتخبين” و أصبح منخرطوها عبارة عن أرقام إنتخابية، من خلال الآليات التالية:

  • المساعدات الاجتماعية لاستمالة الناخبين: تُستغل المساعدات العينية والأنشطة الخدماتية (الحملات الطبية، الدعم المدرسي، الأعمال الخيرية ….) كغطاء ناعم وبناء تدريجي لولاءات انتخابية صلبة على مدار السنة، وليس فقط أثناء الحملات الإنتخابية.
  • التوجيه الجماعي: يتولى الفاعلون الجمعويون الموالون لمرشحين محددين دور “الموجهين الصامتين”؛ إذ يتم توجيه القواعد المترددة ومنخرطي الجمعيات للتصويت الفردي أو الجماعي لصالح طرف بعينه، مقابل ضمان استمرار الدعم والمكتسبات الجمعوية.

2.4. البعد الرابع: البعد المجالي والترابي (جدلية المركز والهامش والوسطين الحضري والقروي)

تشكل الجغرافيا الانتخابية محدداً حاسماً في تباين السلوك الانتخابي لطالما اعتمدت عليها الدولة من أجل دعم تيار أو كسر نفوذ تيار معين من خلال التقسيم الإداري الإنتخابي، مستغلة لتباين آليات التنشئة الإجتماعية و السياسية و مرتكزات الولاء بين القرى والمدن.

  • العالم القروي (سلوك العلاقات المباشرة): تسوده العلاقات المباشرة، وتسيطر عليه أبعاد القرابة، القبيلة  والزبونية، وتكون نسب المشاركة فيه أعلى عموماً نظراً لشدة التعبئة الميدانية والتحكم في الأصوات.
  • الوسط الحضري (سلوك المسافة الإجتماعية والعزوف): تنخفض فيه حدة التضامنات التقليدية وتتزايد فيه نسبة الوعي الحقوقي و النقد السياسي، مما يجعل الناخب أكثر حذراً وتأثراً بالسياسات العمومية والخدمة العمومية والمساءلة. ينعكس ذلك غالباً إما في تصويت عقابي للمجالس المسيرة أو في ظاهرة العزوف الانتخابي كشكل من أشكال الاحتجاج السلبي على العرض السياسي.

2.5. البعد الخامس: البعد الديني والقيمي والرمزي (استثمار المرجعيات  الدينية والأخلاق)

مع كل استحقاق انتخابي، يعود السجال القديم-الجديد حول حدود استخدام “الرصيد الرمزي الديني” و”الخطاب الأخلاقي” في الصراع على الأصوات. لم تكن المرجعية الدينية والوعظية يوماً مجرد قناعات فردية يتسلح بها الفاعل السياسي، بل ظلت، لسنوات طويلة قبال و بعد الإستقلال، أثمن أصول “الرأس المال السياسي” التي يلجأ إليها المترشحون لإضفاء مشروعية أخلاقية على ذواتهم وتكتلاتهم الحزبية. فالظهور بمظهر “المرشح المؤمن النزيه” والالتفاف بعباءة الأخلاق كانا يمثلان أقصر الطرق لإستمالة الناخب وو خاصة الفئات المحافظة، التي ترى في الأمانة الشخصية و الإنتماء الديني الضمانة الأولى للإلتزام الأخلاقي بالوعود الإنتخابية.

غير أن المشهد السياسي اليوم يشهد تحولاً بنيوياً في سلوك الناخب؛ فقد أخذت النجاعة الانتخابية لهذا الخطاب الوعظي تتراجع بشكل لافت لصالح واقعية سياسية جديدة. لم يعد الشارع ينساق بسهولة وراء الشحنات العاطفية أو الخطابات الأيديولوجية المجردة، بل أصبح ينظر بشك ممنهج إلى الوعود التي لا تسندها أرقام أو برامج قابلة للتطبيق سيما بعد تجربة حكومتي 2011 و 2016.

إننا أمام تحول في “سوق الصوت الانتخابي”؛ من سوق تقوم على استهلاك الرموز وبناء الولاءات بناءً على “الصورة الأخلاقية المتخيلة”، إلى سوق تخضع لمنطق “التجارة الإنتخابية” المبنية على القدرة التدبيرية لوسائل التواصل الحديثة للتأـيرعلى الناخب. وهو تحول يضع التكتلات السياسية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع إعادة بناء خطابها ليجيب عن أسئلة الشارع المعيشية، أم ستظل تراهن على رصيد رمزي يتآكل كل يوم؟

2.6. البعد السادس: البعد الرقمي والتسويق السياسي الرقمي (الاستهداف الموجه والمال الانتخابي الرقمي)

دخلت العملية الانتخابية عصر “الرقمنة السياسية”، وهو ما غيّر بشكل جذري آليات التأثير وإدارة الحملات و تجلى ذلك بوضوح في الإستتمارات الخيالية في الحملات الإنتخابية الرقمية يُعدّ حزب التجمع الوطني للأحرار أول حزب سياسي يستثمر في حملة انتخابية افتراضية فقد أنفق ما لا يقل عن 196,143 دولاراً أمريكياً على موقع فيسبوك وحده خلال الفترة من 11 مارس إلى 26 غشت 2021. وفي الفترة من 20 إلى 26 غشت فقط، أنفق 29,844 دولاراً أمريكياً على فيسبوك، هذا بالإضافة الى مجموع الوسائط التواصلية المختلفة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد الفاعل الأول في تشكيل اتجاهات الرأي العام الانتخابي، خاصة لدى فئة الشباب والكتلة الناخبة غير المنتمية حزبيًا مما يستوجب دراسة معمقة لهذه الظاهرة.

الى جانب الإستتمار الإنتخابي في وسائط التواصل الإفتراضي تزايد الاعتماد على شركات متخصصة في تحليل البيانات والتحليل السلوكي للناخب المغربي  لتقديم حملات ممولة موجهة ، مما رفع من كلفة العملية الانتخابية وأدخل البعد المالي التقني كحاسم جديد، وهي الاختلالات التي دعت السلطات والجهات التنظيمية للتدخل بوضع ضوابط قانونية صارمة لتأطير الإنفاق الرقمي وضمان تكافؤ الفرص.

2.7. البعد السابع: البعد السياسي والحزبي (أزمة الثقة وانحدارالتسويق المؤسساتي الحزبي)

يفترض في الأدبيات السياسية الكلاسيكية أن تشكل الأحزابُ المحركَ الأساسي للعملية الديمقراطية، والوعاءَ الطبيعي لتأطير المواطنين وصياغة النقاش العمومي. غير أن تفكيك المشهد الانتخابي المغربي يكشف عن واقع مغاير تماماً؛ إذ بات هذا البعد المفصلي يحتل الموقع الأكثر هشاشة داخل الدينامية الانتخابية، مُخلفاً أزمة حادة في التسويق المؤسساتي الحزبي، ومُعمقاً الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

لم يعد التنافس الانتخابي يتمحور حول الصراع الأيديولوجي أو الصدام البرامجي الذي ميز العقود الماضية. لقد تراجعت وظيفة التنشئة السياسية والتأطير الفكري لصالح براغماتية انتخابوية صرفة، حيث جرى استبدال “المناضل الحزبي”،  الحامل لمشروع مجتمعي أو فكرة سياسية،  ببروفايل “الأعيان” أو “المستتمر السياسي”؛ أي الفاعل الذي يستمد قوته من جاهه المالي، أو شبكته العلاقاتية، أو نفوذه العائلي والقبلي.

إن هذا التحول البنيوي دفع بالأحزاب إلى التخلي التدريجي عن دورها المبدئي كمدارس لتخريج الكفاءات و الأطر السياسية، لتتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد “دكاكين تزكية” تمنح أغطيتها السياسية للمرشح الجاهز بقواعده والقدرة على تمويل حملته بنفسه. وفي هذا السياق، لم تعد التزكية الحزبية مكافأةً على الالتزام والنضال، بل أضحت “صفقة ” تضمن للحزب مقعداً مريحاً في المؤسسات، حتى لو كان الثمن تفريغ العمل الحزبي من محتواه الأيديولوجي والفكري.

فأمام هذا التراجع الفكري، تعاني التشكيلات الحزبية يسارية كانت أو يمينية من عجز حاد في بناء “تسويق سياسي مؤسساتي” قادر على إقناع الناخب. فالبرامج الانتخابية غالباً ما تُصاغ بأدبيات عامة ومتشابهة تفتقر إلى الهوية المتميزة، وتكاد تخلو من الأرقام والحلول القابلة للتطبيق الميداني. هذا الضعف التواصلي والتسويقي لا يعود فقط إلى نقص في أدوات التواصل الرقمي أو الحديث، بل هو استجابة طبيعية لأزمة ثقة بنيوية عميقة تشكلت لدى الناخب المغربي تجاه جدوى العمل الحزبي والمؤسسات الجماعية والبرلمانية.

لقد تكرس لدى فئات واسعة من المواطنين انطباعٌ مفاده أن نتائج صندوق الاقتراع لا تُحدث فارقاً ملموساً في وضعهم المعيشي واليومي، وأن البرامج المكتوبة تُطوى فور إعلان النتائج. هذا الانسداد الشديد في قناة الثقة أدى إلى إفراغ “الوعود المؤسساتية” من قيمتها التأثيرية، فعندما تعجز الأحزاب عن التأطير الفكري والتواصل البرامجي المقنع، لا يبقى الفضاء الانتخابي فارغاً، بل تتسارع الأبعاد البديلة لملء هذا الفراغ المؤسساتي. فتسود آليات الشراء المباشر والغير مباشر للأصوات، وتتحرك العصبية القبليّة، وتنشط شبكات “الزبونية الموازية”.

إن انحدار التسويق الحزبي لا يمثل مجرد أزمة تنظيمية داخل الدكاكين الحزبية، بل يشكل تهديداً لشرعية التمثيلية الديمقراطية برمتها؛ إذ يحول الانتخابات من محطة للمحاسبة الوطنية والمفاضلة بين المشاريع التنموية، إلى مجرد إجرائات تقنية لإعادة توزيع النفوذ والسلطة بين أصحاب “الرأس المال الاجتماعي والمالي”، معززةً بذلك حالة النفور السياسي، ولا سيما لدى الفئات الشابة والجامعية.

من كل ما سبق فإننا نستنتج أن السلوك الانتخابي للناخب المغربي ليس نمطياً ولا أحادي المحدِّد، بل هو سلوك هجين ومزدوج يدمج بين العصرنة والتقليد؛ ففي الوقت الذي تتراجع فيه الثقة في العرض الحزبي التقليدي والإيديولوجيات، يتصاعد دور الشبكات الرقمية والمال السياسي من جهة، وتستمر الهياكل الاجتماعية التقليدية (القبيلة، الزبونية، والعمل الجمعوي بمفهومه الخيري) من جهة أخرى كآليات حاسمة في ضمان واستجذاب الأصوات الانتخابية.

وتؤكد الدراسات الميدانية أن “العامل الشخصي والمكانة الاجتماعية للمرشح” ما زالا ينافسان قوة البرنامج الحزبي في العديد من الدوائر، وهو ما يفسر استمرار ظاهرة “الترحال” بين التشكيلات الحزبية قبيل كل استحقاق. وقد انتقل هذا الترحال من مفهوم “الترحال السياسي”، الذي كان نتاج اختلافات أيديولوجية حقيقية، إلى مفهوم “الترحال الانتخابي” الذي يغلب عليه منطق “من يزكيني أولاً” أو “من يمكّنني من منصب مستقبلاً” بدل الثبات الأيديولوجي، ما يفرغ الانتماء الحزبي من مضمونه. فنحن نتواجد الان فى فترة “المركاتو الانتخابي الصيفي” الأخير.

2.8. البعد الثامن: البعد الجندري في السلوك الانتخابي

يُشكل البعد الجندري أحد المحددات الدقيقة في فهم ودراسة السلوك الانتخابي بالمغرب؛ إذ يعكس مستويات التقاطع بين الهندسة القانونية للتأنيث والموروث الثقافي والمجتمعي السائد. ورغم اعتماد آليات التمييز الإيجابي “الكوطا” منذ استحقاقات 2002 عبر تخصيص 30 مقعداً ضمن لائحة وطنية للنساء، ثم تطويرها وتوسيعها لاحقاً إلى 90 مقعداً مخصصة للنساء ضمن الدوائر الجهوية من أصل 395 مقعداً، إلا أن هذه الإجراءات التمييزية ظلت تواجه كوابح بنيوية وثقافية حادة تؤتر في السلوك الانتخابي والمشاركة النسائية في أبعادها الثلاتة (ناخبة، منتخبة و مساهمة في الحملات الإنتخابية) و ذلك من خلال:

  • محدودية أثر “الكوطا” في تغيير الثقافة الانتخابية: ظلت آلية التمييز الإيجابي أداة هيكلية ومؤسساتية فوقية مفروضة بقوة القانون، دون أن تترجم بالقدر نفسه إلى تحول سيكولوجي عميق في عقيدة الناخب تجاه المرشحة الأنثى. ويتضح ذلك جلياً في النسبة الكلية لتمثيلية النساء بمجلس النواب التي لم تتجاوز 24,3% عقب انتخابات 2021، وهي نسبة تؤكد ضعف قدرة المرشحات على الظفر بمقاعد خارج نطاق المقاعد المحجوزة قانوناً (الدوائر المحلية المفتوحة للتنافس الحر).
  • إعادة إنتاج هيمنة الأعيان عبر “الوراثة الحزبية” : أُفرغت التمثيلية النسائية في العديد من الدوائر من مضمونها السياسي والتنموي، حيث جرى استغلال المقاعد المخصصة للنساء من طرف الشبكات العائلية والحزبية التقليدية؛ فتم ترشيح الزوجات أو القريبات  لضمان استمرار نفوذ أسر الأعيان واستبقاء المقعد الانتخابي داخل دائرة النفوذ العائلي نفسها.
  • هيمنة المرأة في الحملات التعبوية : لطالما اعتبر الفاعل السياسي عبر عقود من الزمن أن المرأة تشكل الية تواصلية فعالة ، ناجعة، موثوق بها و بخسة التكلفة لإدارة الحملات التعبوية و من تم فتواجدها خلال المسار الإنتخابي يتضاعف بشكل ملحوض خاصة في حملات الأعيان مقابل محدودية خارج المسار في أنشطة القطاعات النسائية الحزبية.
  • التعقيد المركب في الوسط القروي: يتضاعف أثر العامل الجندري في البيئات القروية والهامشية، حيث يتقاطع مع البعدين القبلي والعائلي. وفي هذا السياق، تخضع إرادة الناخبة وقرارها الانتخابي لضغوط توجيهية مرادفة للبنية (الدكورية) والتضامنات العصبية، مما يحدّ من استقلالية صوتها الإنتخابي.
  • غياب الدراسات السيكو-اجتماعية المتخصصة: يظل نمط تصويت الناخبة المغربية والسلوك الانتخابي النسائي أفقاً بحثياً غير مكتمل يفتقر إلى الدراسات الميدانية والسيكولوجية المستقلة، خاصة فيما يتعلق بدوافع الاختيار، ومدى استقلالية القرار السياسي للمرأة، وأثر التحولات التعليمية والاقتصادية على سلوكها الانتخابي.

يُظهر هذا التشخيص أن إصلاح التمثيلية السياسية للنساء يقتضي تجاوز منطق الهندسة الانتخابية التجميعية نحو معالجة الثقافة السياسية السائدة وتفكيك شبكات الريع الانتخابي العائلي، لتتحول المشاركة النسائية من مطلب شكلي وضابط قانوني إلى ممارسة مواطنة راسخة ومكفولة بالتنافس الحر.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button