معارك افريقيا..الانتقال من منطق الموقع الاستراتيجي إلى منطق الدور الاستراتيجي

الرادار الإفريقي | صباح الاثنين 24 غشت2026
ليس أسبوعاً عادياً في الجغرافيا السياسية. فالعالم لا يمر فقط بمرحلة توتر عابرة، وإنما يعيش إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة والتحالفات وممرات الطاقة والتجارة والنفوذ. ومن الشرق الأوسط إلى الساحل الإفريقي، ومن الخليج إلى المغرب الكبير، تتقاطع الأزمات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية، فيما تتراجع تدريجياً قدرة القواعد القديمة على تفسير عالم جديد تتقدم فيه المصالح على الشعارات، والمشاريع الاستراتيجية على التحالفات التقليدية.
وفي قلب هذه التحولات، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة، هي كيف يحافظ على موقعه كقوة إقليمية صاعدة، ويحول موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية واستراتيجية، دون أن يفقد هامش المناورة في عالم تتسارع فيه الاستقطابات؟
المشهد المغاربي نفسه لم يعد منفصلاً عن التحولات الكبرى. فالشراكات الخليجية ـ المغاربية تتجه أكثر نحو التعاون القائم على المشاريع والاستثمار والأمن والمصالح الاقتصادية، فيما تزداد أهمية شمال إفريقيا باعتباره فضاءً للطاقة والتجارة والربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
المغرب.. من الجغرافيا إلى الجيو-اقتصاد
لم يعد موقع المغرب مجرد ميزة جغرافية على خريطة العالم. الموقع يتحول تدريجياً إلى أداة للقوة الاقتصادية والسياسية. واجهة متوسطية وأطلسية، قرب من أوروبا، عمق إفريقي، علاقات متنامية مع دول الخليج، بنية تحتية وموانئ وممرات تجارية، واستثمارات تتجه نحو قطاعات استراتيجية؛ كلها عناصر تجعل المغرب معنياً مباشرة بكل إعادة ترتيب لخريطة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تكمن إحدى أهم معارك المرحلة المقبلة وهي الانتقال من منطق الموقع الاستراتيجي إلى منطق الدور الاستراتيجي. فالموقع وحده لا يكفي. المطلوب هو تحويله إلى قيمة مضافة. ميناء، صناعة، طاقة، لوجستيك، تكنولوجيا، استثمار، وربط فعلي بين الأسواق.
الساحل الإفريقي..منطقة نفوذ
أما في الساحل، فإن الصورة تبدوأكثر تعقيداً. ذلك أ، المنطقة لا تواجه أزمة أمنية فقط، بل أزمة نموذج سياسي واقتصادي وأمني. الانقلابات العسكرية، تراجع الثقة في بعض الشراكات التقليدية، تمدد الجماعات المسلحة، وصعوبة بناء بديل اقتصادي مستدام، كلها عوامل تجعل الساحل أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة. والأخطر أن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً.
كلما تراجعت قوة فاعل دولي، تقدمت قوى أخرى. وكلما ضعفت شراكة، ظهرت شراكة بديلة. ولذلك لم تعد معركة الساحل مقتصرة على مكافحة الإرهاب؛ إنها أصبحت أيضاً معركة على الموانئ، والموارد، والطرق التجارية، والطاقة، والنفوذ السياسي.
ومن هنا تأتي أهمية الحضور المغربي في إفريقيا، الذي لم يعد يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات، وإنما بمدى القدرة على بناء شراكات طويلة الأمد تقوم على الاستثمار والتنمية والمصالح المتبادلة.
إفريقيا دخلت قلب الصراع الجيو-اقتصادي
الثروة المعدنية، الأراضي الزراعية، الطاقة، المعادن الاستراتيجية، الأسواق الاستهلاكية، والموقع الجغرافي؛ كلها تجعل إفريقيا إحدى أهم ساحات المنافسة الدولية خلال العقود المقبلة.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيستثمر في إفريقيا؟ بل أصبح: من سيشارك إفريقيا في تصنيع ثرواتها؟ ومن سيحصل على القيمة المضافة؟ هذه النقلة أساسية.
فالقارة التي تصدر المواد الخام وتستورد المنتجات المصنعة ستظل في موقع التابع. أما إفريقيا التي تنجح في تحويل مواردها إلى صناعة وفرص عمل وتكنولوجيا وسلاسل قيمة، فستتحول إلى لاعب حقيقي في الاقتصاد العالمي. وهنا يمكن للمغرب أن يلعب دوراً يتجاوز الاستثمار التقليدي، من خلال موقعه كجسر بين أوروبا وإفريقيا، وكمنصة يمكن أن تساهم في ربط الأسواق وسلاسل الإنتاج.
فالتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تؤكد أن الصراعات الإقليمية لم تعد محلية التأثير. الطاقة، الملاحة، التجارة الدولية، وأسعار النقل والتأمين أصبحت كلها رهائن للتوترات الجيوسياسية. وأي اضطراب في الممرات البحرية الكبرى يمكن أن ينعكس بسرعة على اقتصادات بعيدة آلاف الكيلومترات عن بؤرة الأزمة.
وهذا يعني أن المغرب، مثل باقي الاقتصادات المنفتحة، لا يستطيع النظر إلى الأزمات الدولية باعتبارها شؤوناً خارجية فقط. ذلك أن العالم أصبح اقتصاداً واحداً بأزمات مترابطة. ومن ثم فإن الأمن الاقتصادي أصبح جزءاً من الأمن الوطني.
المؤشر الاقتصادي
المؤشرات المغربية الأخيرة تقدم صورة تستحق المتابعة. إذ، بلغت الأصول الرسمية للاحتياطي من العملة الصعبة 499.6 مليار درهم في 13 غشت 2026، بارتفاع سنوي بلغ 22.4%، فيما ارتفع الدرهم بنسبة 0.3% أمام الدولار وتراجع بنسبة 0.5% أمام اليورو خلال الفترة من 13 إلى 19 غشت. كما ارتفع مؤشر MASI في بورصة الدار البيضاء بنسبة 0.9% خلال الأسبوع نفسه.
وفي القطاع البنكي، بلغ متوسط تدخلات بنك المغرب للسيولة نحو 150.4 مليار درهم يومياً خلال الفترة نفسها، مع استمرار سعر الفائدة بين البنوك عند 2.25%
والأهم أن المعطيات الرسمية تُظهر أن الاقتصاد المغربي دخل سنة 2026 على أرضية متعددة الاتجاهات؛ فقد سجل الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الثابتة 347.396 مليار درهم في الفصل الأول، فيما ارتفعت القيمة المضافة للفلاحة والغابات بـ20.9% والتصيد بـ25%، مقابل تراجع الصناعة التحويلية بـ9.7%.
أما الائتمان الموجه للقطاع غير المالي، فقد ارتفع بنسبة 9.9% على أساس سنوي في يونيو 2026 ليبلغ رصيده 1,063.5 مليار درهم، مدفوعاً خصوصاً بارتفاع تمويل المقاولات الخاصة.
الأرقام هنا لا تعني أن الطريق خال من التحديات، لكنها تقول شيئاً مهماً، المغرب يدخل المرحلة الجيوسياسية الجديدة وهو يحمل معه أدوات اقتصادية يمكن أن تعزز قدرته على المناورة.
لذلك، فالمعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يملك السلاح الأقوى أو التحالفات الأكثر عدداً. بل ستكون حول من يستطيع تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، والنفوذ إلى شراكات مستدامة. وهذه هي النقطة هي التي تجعل المغرب معنياً بشكل مباشر بإعادة تشكيل النظام الدولي.
فالمغرب لا يوجد على هامش التحولات الإفريقية، ولا خارج الحسابات المتوسطية، ولا بعيداً عن التحولات الأطلسية. بل إن موقعه يضعه عند تقاطع عدة دوائر: أوروبا، إفريقيا، العالم العربي، الأطلسي، والمتوسط. لكن الفرصة تحمل معها مسؤولية. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة المغرب على الانتقال من سياسة تدبير التحولات إلى سياسة صناعة موقع داخل التحولات.
وفي إفريقيا تحديداً، سيكون الرهان الأكبر هو تحويل الحضور السياسي والدبلوماسي إلى منظومة متكاملة من الاستثمار والتنمية والأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا والتكوين.
أما في الساحل، فإن السؤال لن يكون فقط من يملأ الفراغ؟ بل؛ أي نموذج يستطيع أن يقدم بديلاً عن الفراغ؟ وهنا بالضبط تتقاطع السياسة مع الاقتصاد.
إن العالم يتغير، وإفريقيا تعيد ترتيب أوراقها، والساحل يبحث عن مخرج، والقوى الكبرى تعيد حساباتها. أما المغرب، فالمطلوب منه أن يقرأ هذه التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة. فالذين يقرأون التحولات مبكراً يصنعون موقعهم فيها، والذين ينتظرون اكتمالها يجدون أنفسهم أمام عالم جديد لم يشاركوا في صياغته.
الساحل يعيد رسم خرائط النفوذ
من مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى الجزائر والمغرب، لم يعد الساحل مجرد منطقة أمنية مضطربة، بل أصبح ميداناً لإعادة توزيع النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي. انسحاب بعض دول الساحل من المحكمة الجنائية الدولية، وتنامي استقلالية تحالف دول الساحل، بالتوازي مع عودة محاولات ترميم العلاقات الإقليمية، كلها مؤشرات على أن إفريقيا تدخل مرحلة جديدة من البحث عن قرار أكثر استقلالاً عن القوى التقليدية.
وهنا يمكن أن نضع السؤال الذي يميز مدرسة تحرير “الحدث الإفريقي” هل نحن أمام نهاية مرحلة النفوذ الخارجي التقليدي في الساحل، أم أمام بداية صراع جديد على إفريقيا بأدوات مختلفة؟تشير أحدث معطيات أسواق السلع إلى أن الاقتصاد الإفريقي يتحرك داخل بيئة دولية شديدة الحساسية؛ فالبنك الدولي يتوقع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنحو 16% خلال 2026، مع قفزة متوقعة في أسعار الطاقة تقارب 24%، بفعل اضطرابات الطاقة والأسمدة والمعادن. (
وفي إفريقيا، يزداد وزن هذا العامل لأن اقتصادات عديدة ما تزال مرتبطة بتصدير المواد الأولية، بينما تتحول المعادن والطاقة والزراعة إلى أدوات أساسية في إعادة تشكيل النفوذ الدولي داخل القارة. وفي المقابل، تمنح عودة الاهتمام بالأسواق الناشئة فرصاً جديدة؛ فقد تجاوزت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى ديون الأسواق الناشئة 214 مليار دولار حتى يوليوز 2026، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين.
أما المؤشر الأهم هذا الأسبوع:
– فرص الاستثمار: صعود الاهتمام بالمعادن والطاقة والبنية التحتية.
– مؤشر المخاطر: تقلب أسعار الطاقة والمواد الغذائية.
– مؤشر الضغط: هشاشة سلاسل الإمداد وتداعيات المناخ، خصوصاً مع مخاطر ظاهرة «إل نينيو» على الإنتاج الزراعي في إفريقيا. –مؤشر التحول: إفريقيا تتجه تدريجياً من تصدير المواد الخام إلى محاولة بناء سلاسل قيمة وصناعات محلية.



