Hot eventsأخبارأخبار سريعة

الرايس الراديو… تحفة المدينة

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

كان يكفي أن يظهر في آخر الشارع حتى تتغير ملامح المكان.
تتجه إليه العيون، وتتوقف الأحاديث لحظة، ثم تبدأ الهمسات من جديد:
«ها هو الرايس!»
وكان آخرون يبتسمون في خبث:
«مسكين… هذا الرجل فقد عقله.»
وثالث يرد بصوت خافت:
«لا، هذا مسكون… لعله أصيب بمس من الجن.»
لكن الرايس لم يكن يلتفت إلى شيء من ذلك. كان يمضي في طريقه كأنه لا يسمع، أو كأنه يسمع كل شيء ولا يعنيه شيء.
أما أنا، فلم أستطع يومًا أن أراه كما رآه أولئك.
كنت أراه رجلًا مختلفًا.
وربما كان اختلافه هو سر الحكاية كلها.
كان أنيقًا على نحو يلفت الانتباه. جلابته البيضاء نظيفة، وطربوشه الأندلسي الأحمر فوق رأسه، وعصاه في يده. لم تكن عصاه مجرد عصا يتوكأ عليها؛ كانت بالنسبة إليه أداة عمل، بها يشير، ويحتج، وأحيانًا ينقر على الطاولات.
كان يقف في الشارع المتفرع عن شارع يوسف بن تاشفين، حيث يلتقي بشارع طنجة والطريق المؤدية إلى البلدية القديمة، فيتصدى للسيارات والعربات العابرة.
يرفع عصاه…
فتتوقف سيارة.
يشير بيده..
فتتحرك عربة.
ثم يستدير إلى الناس وكأنه المسؤول الأول عن حركة المدينة.
وكنت أراقبه من نافذة مكتبي، فأبتسم أحيانًا، وأتعجب أحيانًا أخرى.
لكن أكثر ما كان يلفتني فيه تلك الساعة التي كان يضعها في معصمه.
كان يمسكها ويتحدث إليها!
وفي زمن لم يكن فيه الهاتف النقال قد عرف طريقه إلى أيدي الناس، كان الرايس يتحدث إلى ساعته كأنها جهاز اتصال يربطه بكل المسؤولين في المدينة.
يرفعها إلى فمه، ويبدأ بالصراخ:
«لماذا أهملتم المدينة؟!»
ثم يصمت لحظة، وكأنه يستمع إلى جواب من الطرف الآخر.
ويعود:
«ما هذه الفوضى العارمة؟! ما هذه الأوساخ المتراكمة في الشوارع؟! ألا ترون ما يحدث؟ سأرفع أمركم إلى الجهات العليا!»
كان يصرخ، لكن صراخه لم يكن بلا معنى.
كان يرى أشياء لا يريد الآخرون رؤيتها.
وكان الناس يضحكون.
بعضهم يضحك عليه، وبعضهم يضحك من طريقته، وبعضهم يتهامس خلف ظهره.
أما هو، فلم يكن يكترث.
كان يلتفت إليهم فجأة ويقول:
«كما تكونوا يُولّى عليكم! وإذا كنتم تبيعون أصواتكم لمن لا يستحق، فلا تلوموا إلا أنفسكم. وسأقاضيكم أمام الله!»
ثم يمضي، تاركًا خلفه وجوهًا تضحك وقلوبًا تفكر.
لم يكن الرجل يعرف الأبواب المغلقة.
كان يدخل مكاتب المسؤولين كما يدخل المرء إلى بيته.
لا موعد.
لا استئذان.
ولا خوف.
وكان العجيب أن المسؤولين، رغم غضبهم منه، لم يكونوا يجرؤون على طرده.
أما إذا دخل قاعة من قاعات دورات المجالس الجماعية، فهنا تبدأ الحكاية.
يتقدم بخطوات ثابتة.
ينظر إلى الوجوه.
ثم يقترب من الطاولة وينقر عليها بعصاه:
«أنتم!»
فتصمت القاعة.
تتوقف الكلمات في أفواه المرشحين، ويصبح الصمت سيد الموقف.
يحاول أحدهم أن يسايره:
«آ الرايس، اجلس… مرحبًا بك… نحن إخوتك.»
فيجيبه بكلامه الذي لا يعرف المجاملة:
«أنا لا أريد شيئًا منكم. أريد المدينة أن تكون كما يجب أن تكون.»
ثم يواصل حديثه.
وحين يفرغ من كلامه، يستدير ويخرج.
وفي طريقه إلى الباب، كان يغلقه خلفه بقوة، وكأنه يضع نقطة في نهاية خطاب لم يجرؤ أحد على كتابته.
وفي إحدى المرات، قال رجل من الحاضرين:
«هذا الرجل ليس أحمق… هذا حكيم زمانه. وما قاله صدق وحق.»
ثم خرج وهو يضرب كفًا بكف.
لكن ليس الجميع كانوا يرون فيه حكيمًا.
فقال أحد المحسوبين على الرئيس، وكان يومها من أشد المدافعين عنه، قبل أن يغير معطفه السياسي وينشق عن ولي نعمته:
«يجب منع أمثال هذه العينات من البشر من اقتحام دوراتنا!»
وكانت الجملة، دون أن يدري صاحبها، شهادة أخرى للرايس.
فالرجل الذي لا يستطيعون مواجهته بالحجة، يريدون مواجهته بالمنع.
وكان له اسمان، وكل اسم منهما يحكي جانبًا من شخصيته.
«الرايس».
و«الراديو».
أما «الرايس»، فلأن الرجل كان يتصرف كأنه مسؤول عن المدينة، يراقبها، ويتدخل في شؤونها، ويحاسب مسؤوليها، وكأن بين يديه تفويضًا من الناس.
وأما «الراديو»…
فتلك حكاية أخرى.
كان ينقل الأخبار قبل أن تصل إلى الإذاعات.
يعرف ما يدور في المدينة.
يعرف من قال ماذا.
ومن فعل ماذا.
ومن يتحدث عن الناس في المقاهي.
وكان أكثر ما يثير غضبه أولئك الذين يتخذون من الثقافة قناعًا ومن الشأن العام سياسة يروجونها بالأباطيل ومن المقاهي منبرًا، ثم يجعلون أعراض الناس وسمعتهم مادة لأحاديثهم.
كان يلاحقهم بكلماته:
«أنا لكم بالمرصاد… ما دام فيَّ نفس.»
ولم يكن أحد يعرف من أين يأتي بكل تلك الأخبار.
كان «الراديو» نفسه.
وذات يوم، دعاه بعض المستهثرين إلى مجلسهم لشرب كأس من الشاي، وكان الرايس يحب الشاي.
جلس بينهم مطمئنًا.
ضحكوا.
تبادلوا الأحاديث.
ثم دسّوا له في كأسه قرصًا ظنوا أنه سيجعل منه مادة للضحك.
تناول الرايس الشاي.
ولم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى أدرك ما فعلوه.
انقلبت الجلسة.
وقلب الرايس الطاولة عليهم، وهم يضحكون ويكتمون ضحكاتهم، ثم غادر المجلس.
لم يدخل معهم في معركة طويلة.
خرج فقط…
لكن الحكاية لم تخرج معه.
ظلت تتناقلها الألسن.
ومع مرور الأيام، أضافت الذاكرة الشعبية إلى القصة ما تضيفه دائمًا إلى سير الرجال المختلفين؛ فقيل إن من أساء إلى الرايس لاحقته المصائب، وتحدث الناس عن «لعنة الرايس».
ولست أدري أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الأسطورة.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن الناس لا يصنعون الأساطير من أجل كل أحد.
إنهم يفعلون ذلك مع أولئك الذين تركوا في حياتهم أثرًا لا يشبه آثار الآخرين.
رحل الرايس.
رحلت جلابته البيضاء.
وغاب طربوشه الأندلسي الأحمر.
وسكنت العصا التي كانت توقف السيارات، وتنقر الطاولات، وتشير إلى ما لا يراه الآخرون.
وغابت تلك الساعة التي كان يخاطبها وكأنها هاتف المدينة كله.
لكن صوته لم يرحل.
بقي في ذاكرة المكان.
كلما مر أحدهم من ذلك الشارع، يمكن أن يتخيل رجلًا بجلباب أبيض وطربوش أحمر، يقف وسط الطريق، يرفع عصاه، ويصيح في المسؤولين:
«لماذا أهملتم المدينة؟!»
وربما، في لحظة تأمل، يكتشف المرء أن الرجل الذي كانوا يضحكون منه لم يكن بالضرورة أحمق…
وأن بعض الناس لا يُقاس عقلهم بالطريقة التي يتحدثون بها، بل بما يجرؤون على قوله حين يصمت الآخرون.
لقد كان الرايس غريبًا، نعم.
وكان صاخبًا، نعم.
وكان مختلفًا إلى حد جعل الناس يحتارون في أمره.
لكن المدينة التي أنجبت كثيرًا من الرجال المتشابهين، أنجبت رجلًا واحدًا لا يشبه أحدًا.
ولذلك بقي.
رحم الله الرايس الراديو، وغفر له، وأحسن إليه في الأولين والآخرين، وأسكنه فسيح جناته.
فبعض الرجال يتركون وراءهم مالًا أو منصبًا أو بناءً…
أما هو، فقد ترك حكاية.
والحكايات الصادقة لا تموت.
إنها فقط تنتظر من يعيد روايتها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button