أخبارأخبار سريعةصحافة وإعلام

عندما يسبق الحكم الرقمي حكم المحكمة.. الدكتور بوزلافة يضع الإعلام الرقمي أمام امتحان العدالة الجنائية

الحدث الافريقي- ليلى حبش حاريت

لم تعد العلاقة بين الإعلام والعدالة مجرد نقاش تقليدي حول حدود النشر وحق الحصول على المعلومة، فقد فرض التحول الرقمي واقعا جديدا أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي طرفا مؤثرا في تشكيل الرأي العام، بل وفي بعض الأحيان في تشكيل موقف مسبق من القضايا الجنائية قبل أن تقول المحكمة كلمتها.

هذا المعطى كان محور مداخلة الدكتور محمد بوزلافة، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ضمن أشغال المؤتمر العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية المنعقد بإسطنبول يومي 28 و29 غشت 2026، والذي يناقش العلاقة المتشابكة بين الإعلام والقانون والتحولات التكنولوجية.

انطلق بوزلافة من تحول جوهري عرفه الإعلام في العصر الرقمي، حيث لم يعد دوره مقتصرا على نقل الأخبار، بل أصبح فضاء للتفاعل والمشاركة وصناعة الرأي العام.
وهنا تكمن المفارقة، فالمنصات الرقمية تمنح المواطن قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعلومة والتعبير عنها وتداولها، لكنها تمنحه في الوقت نفسه قدرة على إصدار أحكام سريعة على أشخاص ووقائع لم تستكمل بشأنها الإجراءات القضائية.

وفي القضايا الجنائية تحديدا، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن الرأي العام قد ينتقل بسرعة من التعاطف إلى الإدانة، أو من الإدانة إلى التعاطف، بمجرد ظهور رواية جديدة أو مقطع فيديو أو صورة أو معلومة غير مكتملة.
ومن هنا تبرز إحدى أكثر الأفكار إثارة في مداخلة بوزلافة «الحكم الرقمي» أصبح في كثير من الأحيان أسرع من الحكم القضائي.

ففي المحكمة، يحتاج الحكم إلى بحث وتحقيق وأدلة ومناقشة وحقوق دفاع وإجراءات قانونية، بينما لا يحتاج الحكم الرقمي سوى إلى هاتف، وصورة، ومقطع فيديو، أو منشور قابل للمشاركة.
وقد يصدر «الحكم» في الفضاء الرقمي خلال ساعات، بينما تحتاج العدالة إلى وقتها الطبيعي للوصول إلى الحقيقة.
والأخطر، وفق هذا التصور، أن الحكم الرقمي لا يخضع بالضرورة لقواعد المراجعة التي يخضع لها الحكم القضائي. فإذا ثبتت براءة شخص بعد أشهر من تداول الاتهامات بحقه، فإن تصحيح الخبر لا يحظى غالباً بالانتشار نفسه الذي حظي به الاتهام الأول.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد أخلاقيات النشر، فكيف يمكن إعادة الاعتبار لشخص تمت إدانته اجتماعيا ورقميا قبل أن تثبت إدانته قضائيا؟
و توقف بوزلافة أيضا عند مسألة الأدلة الرقمية، خصوصا الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو.
فالصور والصوت والفيديو تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الجمهور، لأنها تبدو أكثر إقناعا من النصوص المجردة. غير أن ما يبدو حقيقيا على الشاشة ليس بالضرورة حقيقة مكتملة أمام القضاء.

فالتقنيات الحديثة جعلت تركيب الصور وتعديل الأصوات وفبركة المقاطع أمرا ممكنا، وهو ما يجعل التحقق التقني والقضائي من الأدلة الرقمية ضرورة لا ترفا.
ومن هنا يصبح التحدي مزدوجا، فكيف نستفيد من التكنولوجيا في كشف الحقيقة، دون أن نسمح للتكنولوجيا نفسها بأن تنتج حقيقة زائفة؟

لا يدعو بوزلافة إلى وضع الإعلام في مواجهة العدالة، بل إلى البحث عن نقطة التوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الفرد في حماية كرامته وسمعته، وبين حرية التعبير وضمان المحاكمة العادلة.
فالعدالة تحتاج إلى الهدوء والحياد واحترام الإجراءات، بينما يقوم الإعلام بطبيعته على العلنية والسرعة والرقابة المجتمعية.
وقد كان هذا التوتر قائما قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لكن البيئة الرقمية نقلته إلى مستوى جديد، بعدما أصبح كل مواطن تقريبا قادرا على إنتاج المحتوى ونشره وتوجيهه إلى جمهور واسع.

وتؤكد دراسات قانونية مغربية بدورها أن الإعلام والرأي العام يمكن أن يكونا عاملين إيجابيين في حماية حقوق المتهمين والتوعية القانونية، لكنهما قد يتحولان إلى مصدر ضغط على العدالة عندما يتم تداول أخبار غير دقيقة أو كاذبة حول قضية جنائية.

اضا،في مداخلته، وضع بوزلافة الأخبار الزائفة والتشهير الإلكتروني ضمن أبرز التحديات التي تواجه العدالة الجنائية في البيئة الرقمية.
فالمعلومة الكاذبة لا تبقى مجرد منشور عابر، بل يمكن أن تتحول إلى موجة من التفاعل والاتهام والتشهير، وقد تنتهي بما يشبه «محاكمة شعبية» خارج المؤسسات القضائية.
وفي هذه الحالة، يصبح المتهم مطالبا بالدفاع عن نفسه أمام جمهور لا يعرف بالضرورة تفاصيل الملف ولا قواعد الإثبات ولا قرينة البراءة.

كما يطرح التشهير الإلكتروني إشكالات عابرة للحدود، خصوصا عندما يكون صاحب المحتوى في دولة، والمنصة أو الموقع في دولة أخرى، والمتضرر في دولة ثالثة. وهو ما يجعل المواجهة القانونية أكثر تعقيدا، ويطرح الحاجة إلى تعاون قانوني وتقني دولي أكثر فعالية.

ورغم تحذيراته، لم يقدم بوزلافة الإعلام الرقمي باعتباره خصما للعدالة، بل على العكس، يمكن للإعلام المتخصص أن يؤدي وظيفة إيجابية في نشر الثقافة القانونية، وتقريب المواطن من المؤسسات القضائية، ومراقبة أداء المؤسسات، وكشف الاختلالات، والدفاع عن الحقوق والحريات.
لكن ذلك يتطلب، في نظره، انتقال الإعلام من منطق «النشر أولا والتصحيح لاحقا» إلى منطق يقوم على التحقق والتدقيق والمسؤولية.
فالسرعة التي تمنحها المنصات الرقمية للإعلام يجب ألا تتحول إلى مبرر للتخلي عن الدقة، بل إلى تشريع يواكب العصر الرقمي.

وخلصت المداخلة إلى أن التحولات التكنولوجية تفرض إعادة التفكير في الإطار التشريعي والمؤسساتي الناظم للعلاقة بين الإعلام والعدالة.
المطلوب ليس فقط تجريم الأفعال الخطيرة، وإنما بناء منظومة متكاملة تشمل قواعد واضحة للتعامل مع الأدلة الرقمية، وآليات أكثر فعالية لمواجهة الأخبار الزائفة والتشهير الإلكتروني، وتكوين الإعلاميين في المجال القانوني والقضائي، وتعزيز التواصل المؤسساتي للعدالة مع وسائل الإعلام.
كما أن استقلال القضاء لا يعني عزله عن المجتمع، تماما كما أن حرية الإعلام لا تعني تحويل المنصات إلى محاكم بديلة.

حيث تكمن أهمية مداخلة الدكتور بوزلافة في أنها نقلت النقاش من السؤال التقليدي من هل يؤثر الإعلام في القضاء؟ إلى سؤال أكثر إلحاحا، هل تستطيع العدالة أن تحافظ على مكانتها في عصر يصدر فيه الرأي العام أحكامه خلال دقائق؟
إن التحدي اليوم ليس في إيقاف التكنولوجيا، ولا في تقييد حق المواطن في التعبير، وإنما في بناء ثقافة رقمية وقانونية تجعل من الحرية مسؤولية، ومن المعلومة أداة للمعرفة لا للتشهير، ومن التكنولوجيا وسيلة للوصول إلى الحقيقة لا لصناعة حقيقة بديلة.

ففي زمن السرعة الرقمية، قد تحتاج المحكمة إلى أشهر للوصول إلى الحقيقة، بينما يحتاج المنشور إلى ثوان لصناعة الانطباع.
وهنا تحديدا تبدأ المعركة الحقيقية بين «الحكم الرقمي» و«الحكم القضائي».

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button