أخبارالرئيسيةتقارير وملفاتحوار

محمد الفايد في قلب العاصفة..حين يصبح الجدل أكبر من صاحبه

تصريحات جديدة تعيد النقاش حول حدود الخوض في الثوابت الدينية.. والرد العلمي يظل أقصر الطرق إلى وضع الأمور في نصابها

مرة أخرى، يجد محمد الفايد نفسه في قلب عاصفة من الجدل، وهذه المرة بسبب تصريحات تناولت قضية دينية شديدة الحساسية، وفتحت الباب أمام موجة من الانتقادات والتأويلات، خصوصاً بعدما ارتبط كلامه بمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولم يعد الجدل حول تصريحات الفايد حالة استثنائية أو عابرة، فقد سبق أن أثارت خرجاته في مجالات مختلفة، بينها الدين والطب، ردود فعل متباينة، بين من يرى فيها جرأة في طرح الأسئلة والخروج عن المألوف، ومن يعتبرها تجاوزاً لحدود الاختصاص، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا علمية أو دينية تحتاج إلى معرفة دقيقة بمصادرها ومناهجها.

لكن التصريح الأخير أخذ النقاش إلى منطقة أكثر حساسية، لأن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد رأي في قضية عامة، وإنما بمفهوم يرتبط بالسيرة النبوية وبكيفية فهم القرآن الكريم والحديث الشريف.

مصطفى الرميد..كثرت سقطات الفايد

وضمن الردود القوية يؤكد وزير العدل الأسبق مصطفى الرميد، “هذه لسيت المرة الاولى التي تزل فيها قدم محمد الفايد، ولا المرة الاولى التي يتجرأ فيها على دين الله بصلافة، ذلك انه تعود على الخوض في الدين بغير علم، حيث كثرت سقطاته، وتعددت عثراته، تماما كما كان الحال في خرجاته الطبية، حيث يقدم نفسه المحيط بكل العلوم ،والعارف بكل الفنون، ويدعي علاج كل الامراض، وكافة الاسقام، التي يحار امامها الاطباء ، بتكويناتهم العميقة، وتخصصاتهم المختلفة. ولا اشك لحظة ان الرجل يعاني من اضطراب نفسي، جعله كثير الكلام في موضوع الدين، على غير هدى من الله، ويظهر انه تاثر بمذهب مايسمى بالقرانيين الذين يطالبون بالاكتفاء بالقران ،ورفض السنة النبوية. اما ماقاله اخيرا، فان كان قوله ذاك ،تجاسرا ،غير مقبول منه، الا ان الظاهر من كلامه انه لايقصد السخرية من النبي (ص)، ذلك انه في قوله الطائش ، تبنى راي اولئك الذين يقولون ان النبي (ص) لم يكن اميا، وان الامية تعني الانتماء الى الاميين، بمعنى غير اليهود، كما ورد في قوله تعالى على لسانهم: ( ليس علينا في الاميين سبيل ). وقد خرج بعد تجاسره المرفوض، يؤكد انه يحفظ القران الكريم، الذي انزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو اعتذار مبطن ، ينبغي قبوله منه،وصرف النظر عن موضوعه. لذلك فاني ارى وجوب البيان والتبيين، بعيدا عن اي اسلوب اخر ،يكسبه بطولة لايستحقها، و شهرة ليس جذيرا بها. والله اعلم”.

التدوينة التي فتحت النار على الفايد

وكان الفايد قد كتب في تدوينته “إن كنتم تؤمنون بأن الرسول لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يختار الله أميا في أرض قاحلة ليبلغ الرسالة؟”، وهي العبارة التي أثارت ردود فعل متباينة بين من اعتبرها تشكيكا في مفهوم أمية النبي صلى الله عليه وسلم، ومن رأى أن كلامه ينبغي أن يقرأ ضمن السياق الكامل الذي أورده فيه.

ومع اتساع الانتقادات، أكد الفايد، أنه لم يقل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جاهلا، وإنما صاغ كلامه وفق توضيحه، في قالب افتراضي بدأ بعبارة “إن كنتم” معتبرا أن جزءا من التفاعل مع منشوره ناتج عن سوء فهم لمقصده.

غير أن هذه التوضيحات لم توقف الجدل، خصوصا بعد دخول الداعية الموريتاني الشيخ الدكتور محمد الحسن ولد الددو على الخط، حيث وجه انتقادات شديدة إلى محمد الفايد، وقال إنه اطلع على تصريحات منسوبة إليه تمس، بحسب تقديره بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والقرآن وبعض العوائد الدينية المتوارثة لدى المغاربة.

ووصف ولد الددو بعض ما نسب إلى الفايد بأنه وفق تعبيره، “كفر بواح” داعيا العلماء والدعاة إلى رفع القضية إلى المؤسسات المغربية المختصة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى والحكومة والقضاء، معتبرا أن الأمر لا ينبغي أن يمر دون مساءلة.

كما حذر الشيخ الموريتاني من تأثير مثل هذه التصريحات على بعض المتابعين، خصوصا صغار السن ومن ليست لديهم معرفة دينية كافية، مشيرا إلى أن انتشار هذه الأفكار عبر منصات التواصل يمكن أن يجعل، بحسب رأيه أثرها يتجاوز صاحبها إلى جمهور واسع.

وفي نفس السياق، أعلنت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان إدانتها لما صدر عن محمد الفايد، معتبرة أن بعض التصريحات والتدوينات المنسوبة إليه تضمنت إساءة إلى مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستعمال عبارات وصفتها الهيئة بأنها مهينة وغير مقبولة.

وذهبت الهيئة إلى أن ما ورد في هذه التصريحات لا يمكن، وفق موقفها، إدراجه ضمن حرية الرأي والتعبير، بل اعتبرته مساسا بالمقدسات والثوابت الدينية والأخلاقية، مطالبة النيابة العامة المغربية بفتح تحقيق قضائي في الموضوع وترتيب ما تراه الجهات المختصة مناسبا وفق القانون.

زلة لسان أم قراءة مختلفة؟

المشكلة، في مثل هذه الحالات، لا تبدأ دائماً من النية، وإنما من العبارة وسياقها وطريقة تلقيها. فقد يفهم المتلقي بعض العبارات باعتبارها إساءة أو سخرية، بينما قد يكون صاحبها بصدد تبني قراءة لغوية أو تفسيرية معينة. ومن هنا يصبح التفريق بين القصد، والعبارة، والتأويل أمراً ضرورياً قبل إطلاق الأحكام.

وفي حالة الفايد، فإن قراءة كلامه في سياقه الكامل قد تقود إلى استنتاج مختلف عن ذلك الذي قد يوحي به مقطع مقتطع أو عبارة منفردة، خصوصاً أن هناك بالفعل نقاشاً تفسيرياً ولغوياً حول مفهوم «الأمية» في القرآن الكريم، وإن كانت هذه المسألة لا تلغي ضرورة احترام مقام النبوة والحذر الشديد في تناولها.

فالقضايا الدينية ليست مجالاً مناسباً للمقاربات السريعة أو الاستعراض المعرفي، لأن الكلمة الواحدة قد تتحول، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، إلى قضية رأي عام.

«أحفظ القرآن».. هل يكفي التصحيح؟

وفي خضم الجدل، جاء تأكيد الفايد أنه يحفظ القرآن الكريم، وأن القرآن الذي يتحدث عنه هو الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد قرأ البعض هذا الموقف باعتباره محاولة لتوضيح الصورة والتأكيد على عدم وجود قصد للإساءة إلى القرآن أو إلى الرسول الكريم، بينما رأى آخرون أن المسألة تحتاج إلى توضيح أكثر مباشرة بشأن التصريح الذي أثار الجدل.

ومهما يكن من أمر، فإن العودة إلى القرآن والتأكيد على حفظه ومرجعيته يفتحان باباً للتعامل مع القضية بعيداً عن منطق الإدانة المسبقة، ويجعلان من التوضيح الهادئ مدخلاً أفضل من تحويل الواقعة إلى معركة مفتوحة.

الفايد.. ظاهرة إعلامية تتجاوز الاختصاص؟

غير أن الواقعة الأخيرة لا يمكن فصلها عن ظاهرة أوسع ارتبطت باسم محمد الفايد خلال السنوات الماضية، وهي حضوره المتكرر في ملفات تتطلب، في الأصل، تخصصاً دقيقاً.

ففي المجال الطبي، سبق أن أثارت بعض تصريحاته ومقارباته نقاشاً حول حدود ما يمكن لشخصية إعلامية أن تقدمه للجمهور من معلومات ونصائح صحية، خصوصاً عندما تتعلق بأمراض معقدة أو علاجات غير محسومة علمياً.

وفي المجال الديني، تتكرر الإشكالية نفسها ولكن بصورة أكثر حساسية: هل يكفي الاطلاع أو الحفظ أو القراءة الشخصية لتقديم تأويلات دينية أمام جمهور واسع؟

السؤال هنا لا يستهدف شخص الفايد وحده، وإنما يطرح قضية عامة أصبحت أكثر إلحاحاً في زمن المنصات الرقمية، حيث يستطيع أي شخص أن يقدم نفسه خبيراً في مجالات متعددة، فيما يصبح المتلقي مطالباً بالتمييز بين المعرفة المتخصصة والرأي الشخصي.

عندما يتحول الرد إلى دعاية مجانية

المفارقة أن بعض ردود الفعل الغاضبة قد تمنح التصريحات المثيرة حياة أطول من عمرها الطبيعي. فالرد المبالغ فيه، والشتائم، وحملات التشهير، والمطالبات بالعقاب قبل التحقق من السياق، كلها قد تحول صاحب التصريح من مجرد متحدث أثار جدلاً إلى شخصية تتصدر المشهد وتستفيد من حجم التفاعل.وهنا تبدو قاعدة بسيطة جديرة بالتأمل:ليس كل خطأ يحتاج إلى معركة، وليس كل تصريح مستفز يستحق أن يتحول إلى بطولة إعلامية.

الأجدى هو تفكيك الفكرة، وتصحيح الخطأ، وتقديم المعلومة الصحيحة، ثم ترك الجمهور أمام الحقائق.

الدين ليس ساحة للاستعراض

الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة يتجاوز محمد الفايد نفسه.إنه يتعلق بمسؤولية الحديث في الدين، وبالحاجة إلى استعادة قيمة التخصص في زمن اختلطت فيه الحدود بين العالم، والطبيب، والإعلامي، والمؤثر، وصانع المحتوى.

فالخوض في قضايا الدين يحتاج إلى أدواته، كما أن الحديث في الطب يحتاج إلى أدواته، والاقتصاد يحتاج إلى أدواته، والقانون يحتاج إلى أدواته. أما تحويل المعرفة العامة إلى سلطة شاملة على كل شيء، فذلك قد يقود صاحبه إلى مناطق ملغومة لا تنفع فيها الجرأة وحدها.

وفي قضية الفايد تحديداً، يبقى الأجدر هو البيان والتبيين: توضيح ما قيل، وضعه في سياقه، عرض الموقف العلمي والشرعي المقابل، ثم ترك الحكم للمتلقي.ذلك أن مقام النبوة يستحق الاحترام، والدين يستحق العلم، والجمهور يستحق الحقيقة. أما صناعة الأبطال من خلال الضجيج، فهي مهمة أخرى لا علاقة لها لا بالعلم ولا بالدين.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button