Hot eventsأخبارالرئيسيةفي الصميم

أزمة المحاماة المغربية في مرآة الإعلام الدولي..حين خرج الخلاف من ردهات المحاكم

بقلم: ذ. زهير أصدور – محام بهيئة الرباط

لم تعد أزمة المحاماة المغربية شأنا مهنيا داخليا يمكن اختزاله في خلاف بين وزارة العدل والمحامين حول بعض مقتضيات القانون المنظم للمهنة. فمع امتداد التوقف عن تقديم الخدمات المهنية واستمرار المواجهة لأشهر، خرج الملف تدريجيا من حدود النقاش الوطني ليجد طريقه إلى الصحافة الأجنبية وإلى مؤسسات مهنية دولية، وهو تحول له دلالته؛ لأن صورة الأزمة في الخارج بدت، في جزء معتبر من التغطيات، مرتبطة بثلاثة مفاهيم أساسية: استقلال المحاماة، وحقوق الدفاع، وحق المتقاضي في عدالة فعالة.

صحيفة Le Monde الفرنسية اختارت في 25 غشت 2026 عنوانا شديد الدلالة: «في المغرب، إضراب للمحامين تجاوز مائة يوم يشل العدالة». ولم تقدم الصحيفة الأمر باعتباره مجرد نزاع مطلبي، بل ربطته مباشرة بالخلاف حول القانون الجديد وبما يعتبره المحامون مسا باستقلال مهنتهم. كما نقلت آثار التوقف على ملفات الاعتقال والطلاق والاستعجال، وأشارت إلى أن ما يقارب 17 ألف محام أصبحوا، بدرجات مختلفة، غير قادرين على ممارسة نشاطهم بصورة طبيعية.

الأكثر أهمية أن المعالجة الفرنسية توقفت أيضا عند المسار الذي عرفه القانون، بما في ذلك واقعة تعذر البت من طرف المحكمة الدستورية بعد الإحالة التي لم يكن مرفقا بها النص التشريعي المطلوب، ثم صدور القانون بعد ذلك. وبذلك انتقلت الأزمة في القراءة الأجنبية من مجرد مواجهة اجتماعية إلى سؤال يتعلق أيضا بطريقة تدبير خلاف مؤسساتي حول أحد مكونات منظومة العدالة.

وكالة فرانس برس AFP ساهمت بدورها في تدويل الملف. ففي قصاصتها الصادرة عقب اجتماع جمعية هيئات المحامين في نهاية غشت، ركزت على قرار استمرار التوقف، وعلى تأكيد المحامين أن المعركة تتعلق بـ«استقلال المهنة» و«حصانة الدفاع» و«استقلالها التنظيمي». وقد أعيد نشر هذه القصاصة عبر وسائل إعلام دولية، من بينها Arab News، وهو ما منح الأزمة انتشارا يتجاوز المجال الإعلامي المغربي.

أما The New Arab فقد واكب الأزمة منذ مرحلتها الأولى في فبراير، حين خرج آلاف المحامين أمام البرلمان، ثم عاد في نهاية غشت لتغطية استمرار التوقف. واللافت في تغطيته أن العنوان ذاته تمحور حول خوف المحامين من تهديد استقلال المهنة، مع عرض الروايتين: الحكومة التي تقدم الإصلاح بوصفه تحديثا للقطاع وتنظيما للتكوين والتدبير المالي والحكامة، والمحامون الذين يرون في بعض مقتضياته مساسا باستقلالهم وتنظيمهم الذاتي.

وحتى في بلدان بعيدة جغرافيا عن المغرب، وصلت الرسالة. صحيفة Dawn الباكستانية عنونت في فبراير بأن المحامين المغاربة يحتجون على مشروع قانون يهدد، بحسبهم، «الحصانة والاستقلال»، وركزت بصورة خاصة على مسألة الاختصاص التأديبي وعلى مطالبة المحامين بمقاربة تشاركية في إصلاح مهنتهم. وهذا الانتشار الإعلامي ليس تفصيلا؛ لأن القضية عندما تصبح موضوعا لوكالة دولية وصحف في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فإنها لم تعد قابلة للاختزال في خطاب «مطالب فئوية» داخلية.

لكن الزاوية الأكثر حساسية جاءت من صحيفة El País الإسبانية. ففي تقرير نشرته يوم 27 يوليوز حول ملف قضائي آخر، خصصت فقرة بعنوان واضح: «محاكمة بدون محامين». وتحدثت عن متهم وجد نفسه دون دفاع قانوني في ظل التوقف العام للمحامين، بحضور ملاحظين قانونيين أجانب يتابعون مدى احترام ضمانات المحاكمة. هنا ظهرت الوجهة الأخرى للأزمة: عندما يستمر الصراع طويلا، فإن آثاره لا تبقى محصورة بين الحكومة والمهنة، بل تنتقل مباشرة إلى المتقاضي وإلى صورة العدالة نفسها.

وهذا تحديدا هو التحدي الذي ينبغي للمحاماة نفسها أن تدرك أهميته. فالقوة الأخلاقية لمعركتها مرتبطة بقدرتها على إقناع المجتمع بأن الدفاع عن استقلال المحامي ليس دفاعا عن امتياز مهني، وإنما عن حق المواطن في دفاع حر وغير خاضع للضغط. وفي المقابل، فإن استمرار تعطل مصالح المتقاضين لفترة طويلة يخلق سؤالا مشروعا حول كيفية تحقيق التوازن بين مشروعية النضال المهني وضرورة حماية الحق في الولوج إلى العدالة.

ولم يقتصر الصدى الخارجي على الإعلام. فقد أعلن المجلس الوطني لنقابات المحامين بفرنسا CNB في فبراير دعمه للمحامين المغاربة، معتبرا أن الإصلاح يثير مخاوف تتعلق باستقلال المهنة وضرورة إشراك مؤسساتها التمثيلية بصورة حقيقية في أي إصلاح يمسها، ومشددا على أهمية التنظيم الذاتي للمحاماة.

ثم جاء موقف معهد دولة القانون التابع للاتحاد الدولي للمحامين UIA-IROL في 5 يوليوز ليعبر عن «قلق كبير» بشأن التطورات المتعلقة بمشروع القانون 66.23، رابطا استقلال مهنة المحاماة بصورة مباشرة بضمان دولة القانون، وداعيا إلى حماية استقلال المهنة ومؤسساتها وآلياتها التنظيمية.

كما أدرج مجلس نقابات المحامين والهيئات القانونية في أوروبا CCBE ملف المغرب ضمن قضايا سنة 2026 تحت عنوان يتعلق بالتشريع المقترح المؤثر في مهنة المحاماة بالمغرب. وهذه الإشارة، وإن لم تكن معالجة صحفية، تؤكد أن الملف أصبح محل متابعة مؤسساتية خارج الحدود الوطنية.

كل ذلك يفرض قراءة أكثر عمقا لما يجري. فالمعركة لم تعد فقط حول مادة أو مجموعة مواد، ولم تعد فقط حول من انتصر في مواجهة بين وزارة ومهنة. القضية أصبحت مرتبطة بصورة العدالة المغربية في الداخل والخارج.

ومن الخطأ أيضا اعتبار الاهتمام الإعلامي الأجنبي انتصارا آليا لهذا الطرف أو ذاك؛ فالصحافة الدولية نقلت كذلك الأضرار التي لحقت بالمتقاضين وتعطل المحاكم، وذكرت الحجج الحكومية المتعلقة بالتحديث والشفافية والتدبير المالي. وهذا بالضبط ما يجعل التغطية ذات قيمة: إنها تنقل الأزمة من منطق الشعارات إلى موازنة بين استقلال الدفاع، وضرورة الإصلاح، وحقوق المتقاضين، ومسؤولية الدولة في ضمان استمرارية العدالة.

وبعد أن تجاوز صدى الأزمة الحدود، لم يعد من المفيد التعامل معها بمنطق كسر الإرادات. الإصلاح الحقيقي للمحاماة لا يمكن أن يبنى ضد المحامين، كما أن استقلال المحاماة لا يمكن الدفاع عنه بعيدا عن مصالح المتقاضين.

لقد أصبحت الأزمة المغربية اليوم تحت نظر الإعلام والمؤسسات المهنية الدولية، وتلك رسالة ينبغي التقاطها بعيدا عن لغة المنتصر والمهزوم:

عندما تصبح أزمة المحاماة خبرا دوليا، فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول قانون للمهنة؛ إنها أصبحت سؤالا عن صورة العدالة، وعن المكان الذي نريده للدفاع المستقل داخل دولة القانون.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button