أخبارالرئيسيةفي الصميم

البرامج الانتخابية بين الإشارة والاستشارة..أزمة الزمن السياسي وضرورة التعاقد الوطني

ألمانيا- منير لكماني

الناخب المغربي ليس ساذجا، ولا يحتاج إلى من يقنعه كل خمس سنوات بأن جميع مشكلاته ستجد طريقها إلى الحل بمجرد تغيير الحكومة أو تبدل الأغلبية. لقد راكم ما يكفي من التجارب ليدرك أن أعطاب التعليم والصحة والعدل والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية أعمق من أن تختصر في ولاية حكومية واحدة. لذلك لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا تعد الأحزاب؟ بل: ماذا تستطيع أن تنجز فعلا، وفي أي مدة، وبأي موارد، ومن سيواصل العمل إذا تغيرت الحكومة؟

هذه الصراحة هي ما تفتقده كثير من البرامج الانتخابية. تتسع الوعود حتى تشمل كل شيء: خفض الأسعار، وخلق مئات الآلاف من فرص الشغل، وزيادة الدعم، وتحسين المستشفيات، وإصلاح المدرسة، وتقليص الفوارق بين الجهات. يبدو المغرب على الورق قابلا للإصلاح الكامل خلال خمس سنوات، بينما تقول التجربة إن الملفات الكبرى لا تخضع لإيقاع الانتخابات، وإن بعضها يحتاج إلى عشر سنوات أو عشرين حتى تظهر ثماره الحقيقية.

هنا ينبغي أن ينتقل النقاش من الإشارة إلى الاستشارة، ومن استرضاء الناخب إلى مصارحته. فالمواطن لا يحتاج إلى برنامج يخبره بأن البطالة مشكلة، وأن المدرسة تعاني، وأن العلاج مكلف، وأن الفوارق المجالية قائمة. يعيش هذه الوقائع كل يوم. ما ينتظره من السياسة هو تشخيص صريح لمكامن الخلل، وترتيب واضح للأولويات، وجدول زمني يميز بين ما يمكن إنجازه خلال خمس سنوات وما يحتاج إلى أفق أطول.

ولماذا، أصلا، نحشر إصلاحات الدولة الكبرى داخل عمر حكومة واحدة؟

يمكن للمغرب أن يتجه نحو تعاقدات وطنية تمتد عشر سنوات أو عشرين سنة في القطاعات الاستراتيجية، بحيث لا يصبح تغيير الأغلبية السياسية إيذانا بتغيير الاتجاه كله. تختلف الحكومات في الوسائل، وفي سرعة التنفيذ، وفي ترتيب بعض الإجراءات، لكن الهدف الوطني يظل ثابتا، وتستكمل كل حكومة ما أنجزته سابقتها بدل العودة في كل مرة إلى نقطة البداية.

التعليم أكثر الأمثلة وضوحا. فقد عرف القطاع عبر السنوات تصورات وبرامج وإصلاحات متعاقبة، لكن المشكلة لا تكمن دائما في غياب الأفكار، بل في ضعف الاستمرارية. يأتي مسؤول جديد، فتتغير المصطلحات والأولويات والمناهج، قبل أن تحصل التجربة السابقة على الوقت الكافي للتقييم والنضج. والحال أن الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم لن تظهر نتائج السياسة التعليمية المطبقة عليه إلا بعد سنوات. المدرسة، لذلك، تحتاج إلى مشروع دولة، لا إلى مشروع وزير.

وينطبق الأمر نفسه على الصحة. بناء المستشفيات وحده لا يصنع منظومة صحية ناجعة. نحتاج إلى سنوات لتكوين الأطباء والممرضين، وتحقيق توزيع أكثر عدلا للموارد البشرية، وتحسين الحكامة والتجهيز والتمويل. وكذلك التشغيل؛ فلا يمكن علاج البطالة بإعلان رقم كبير من فرص العمل، وإنما ببناء اقتصاد منتج، ومقاولات قادرة على الاستثمار، وتعليم متصل بحاجات السوق، وعدالة تمنح المستثمر الثقة.

لعل الأكثر صدقا أن تقول حكومة للمغاربة: سنركز خلال خمس سنوات على قطاعين أو ثلاثة، وسنحقق فيهما هذه الأهداف المحددة، بهذه الميزانية، وداخل هذه الآجال. فإذا جدد الناخبون الثقة فيها واصلت المسار، وإذا جاءت حكومة أخرى أكملت ما بدأ، مع حقها في تصحيح الأخطاء وتحسين الوسائل. هكذا تتراكم النتائج بدل أن تتراكم البدايات.

ولا يلغي ذلك التنافس السياسي، بل يرفعه إلى مستوى أكثر نضجا. تتنافس الأحزاب على جودة التنفيذ، وعلى سرعة الإنجاز، وعلى اختيار الوسائل الأكثر عدلا وفعالية، لا على من يقدم الرقم الأكبر والوعد الأكثر إثارة.

المغاربة يريدون تغييرا يلمسونه في حياتهم، ولو تحقق على مهل. فإصلاح واحد يكتمل خير من عشرة إصلاحات تبدأ ولا تنتهي، ومدرسة تتحسن فعلا خير من برنامج يحمل اسما جديدا، ومستشفى يعمل بكفاءة أهم من عشرات الشعارات عن الدولة الاجتماعية.

المسؤولية السياسية تبدأ من شجاعة الاعتراف بحجم العطب. المسؤول الحقيقي لا يغطي التشققات بالطلاء؛ يكشفها، ويحدد أسبابها، ثم يبدأ الإصلاح، ولو كان الطريق طويلا والخطوات بطيئة.

عندها يصبح البرنامج الانتخابي عقدا مع المستقبل، لا منشورا لموسم انتخابي. وتصبح الانتخابات محطة داخل مسار الدولة، لا بداية جديدة للدولة كل خمس سنوات. فالأمم لا تتقدم بكثرة ما تبدأه من إصلاحات، وإنما بقدرتها على إتمام ما بدأت. وما يحتاجه المغرب ليس حكومة تعد بإصلاح كل شيء، بل دولة تعرف إلى أين تريد أن تصل، وحكومات تتعاقب على الطريق نفسه حتى تصل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button