Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

مرافئ الأمل في زحام الألم


السعودية : ديمة الشريف
في زحام المستشفيات، حيث تتشابه الوجوه التي أرهقها السهد ولونها الشحوب، وتتعالى أنفاس الغرف المكتومة بآهات المتعبين، تفقد الأمكنة هويتها الباردة لتتحول إلى ساحة كبرى لانتظار الفرج. هناك، بين مقاعد صالات الانتظار الصلدة، يجلس “الزمن” متجسداً في هيئة شيخ وقور، خطّ المشيب في رأسه دروب الحياة، ورسمت السنون على وجهه تفاصيل حكاية طويلة مع الصبر.

بلا مقدمات، وبعفوية تامة تشبه تدفق مياه النهر، يلتفت نحوك. لم تكن بينكما معرفة سابقة، ولم تجمعكما أواصر نسب، لكنه “الألم المشترك” والبحث الفطري عن الأمان في عيون الغرباء. يبدأ بالحديث، وتنهمر الكلمات من شفتيه مثقلة بوجعٍ استوطن جسده لسنوات طوال، وجعٍ تحامل عليه كثيراً وكتمه بين جوانحه حتى ضاقت به الضلوع.

يتحدث وعيناه ترقبان في ملامحك طوق نجاة، أو رصيفاً هادئاً يرسو عليه قاربه المتعب.في تلك اللحظة الاستثنائية، تتلاشى كل مشاغلك، وتتحول أنت بكليتك إلى أذن صاغية وقلب متسع. تصبح له “الملاذ الآمن” الذي ساقته الأقدار إليه في عتمة حيرته. تنصت بقلبك قبل سمعك، وتهز رأسك تعاطفاً، وتمسح بكلماتك العذبة على ندوب روحه. كل كلمة طيبة تنطق بها، وكل ابتسامة صادقة تهديها له، تصبح بمثابة مطرٍ يحيي أرضاً أجدبها المرض.

إن الإنصات لكبار السن في لحظات ضعفهم ليس مجرد مجاملة عابرة، بل هو بلسم يداوي الشروخ التي تركها الزمن في نفوسهم. وحين تطلب عليه بعبارات التثبيت والدعاء، فإنك لا تخفف عنه وطأة المرض الجسدي فحسب، بل تزرع في أعماقه بذرة أمل خضراء، تذكره بأن خلف كل ليل مظلم فجرٌ صادق، وأن عافية الله أقرب إليه من حبل الوريد، ليرحل من مجلساً معك وهو يحمل في قلبه نجوماً تضيء عتمة انتظاره.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button