
لم تعد الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 مجرد موعد سياسي ضمن أجندة الدولة والأحزاب، بل دخلت فعليا مرحلة العد التنازلي الحاسم. فمع انطلاق عملية إيداع التصريحات بالترشيح، بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا، أسماء تتقدم، وأخرى تختفي، تحالفات تتشكل، وتزكيات تعيد رسم الخريطة الانتخابية قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
وبحسب البلاغ الصادر عن و زير الداخلية، فقد انطلقت عملية إيداع التصريحات بالترشيح لانتخاب أعضاء مجلس النواب يوم 31 غشت 2026، وتستمر إلى غاية 12 زوالاً من يوم 9 شتنبر، فيما تم اعتماد مسطرة إلكترونية لإيداع التصريحات، في خطوة تعكس انتقال العملية الانتخابية إلى مستوى أكبر تجاه الرقمنة والتنظيم.
لكن خلف هذه المسطرة الإدارية البسيطة في ظاهرها، تدور واحدة من أكثر مراحل الانتخابات حساسية، مرحلة اختيار من سيحمل ألوان الأحزاب إلى المعركة.
فالانتخابات لا تبدأ يوم 23 شتنبر، وإنما بدأت قبل ذلك بكثير، داخل مقرات الأحزاب، و في الاجتماعات المغلقة، وفي مفاوضات التزكية، وفي الصراعات المحلية حول من يملك القدرة على تحويل الاسم إلى أصوات.
من يترشح؟ ومن يملك قرار التزكية؟ إنه السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كم عدد المرشحين؟ بل، من اختارهم الحزب؟ ولماذا؟ و من تم استبعاده؟ ومن غادر حزبه بحثا عن تزكية أخرى؟
فالترشيح في الانتخابات التشريعية ليس مجرد قرار فردي، بل هو في كثير من الحالات نتيجة توازنات دقيقة داخل التنظيمات السياسية، خصوصا في الدوائر التي تعرف منافسة قوية.
و هنا تصبح التزكية الحزبية واحدة من أهم مفاتيح الانتخابات.
مرشح قد يكون معروفا محليا، لكنه بدون غطاء حزبي قد يجد نفسه خارج السباق. وفي المقابل، قد يحصل اسم حزبي على التزكية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على الفوز.
فالناخب في النهاية لا يصوت للتزكية وحدها، وإنما يصوت للائحة والأسماء والبرنامج والصورة التي يحملها المرشح داخل دائرته.
من 31 غشت إلى 9 شتنبر، سباق مع الساعة، إنها مرحلة غربلة سياسية. فالأحزاب مطالبة بإغلاق لوائحها، والمترشحون مطالبون باستكمال ملفاتهم، وكل تأخير أو خطإ إجرائي قد تكون له كلفة سياسية كبيرة.
و واللافت في العملية الانتخابية الحالية هو اعتماد الإيداع الإلكتروني، بما يسمح برقمنة جزء مهم من المسطرة الانتخابية منذ لحظة تقديم التصريح. لكن الرقمنة لا تلغي المعركة السياسية، بل ربما تجعلها أكثر وضوحا.
فوراء كل ملف إلكتروني يوجد مرشح، وخلف كل مرشح حزب، وخلف كل حزب حسابات انتخابية دقيقة، المقاعد الممكنة، الدوائر الصعبة، المنافسون، قوة التنظيم، والقدرة على التحرك يوم الاقتراع.
فبعد انتهاء مرحلة الترشيحات، ستنتقل المعركة إلى الشارع والفضاء الرقمي. ومن 10 شتنبر إلى 22 شتنبر ستنطلق الحملة الانتخابية، وهي الفترة التي ستتحول فيها الأسماء الموجودة على اللوائح إلى مشاريع انتخابية مطالبة بإقناع الناخبين.
وهنا سيظهر الفارق بين مرشح وآخر. فمن يملك برنامجاً؟ ومن يملك شبكة انتخابية؟ ومن يملك خطابا قادرا على الوصول إلى الناخب؟ ومن سيكتفي بالصور والوعود والشعارات؟
لقد تغير الناخب المغربي، و تغيرت معه أدوات المنافسة. لم تعد الحملة الانتخابية مقتصرة على الاجتماعات واللقاءات والملصقات.
فالهاتف أصبح منصة انتخابية، وفيديو قصير قد يصل إلى آلاف الناخبين خلال ساعات.
لكن هذه القوة الرقمية تحمل معها مخاطر أيضا، الأخبار الزائفة، الحسابات الوهمية، التشهير، استعمال الصور خارج سياقها، والحملات التي قد تتجاوز الحدود القانونية و الأخلاقية.
مجلس النواب يضم 395 مقعدا، وهو الرقم الذي يجعل كل دائرة انتخابية ساحة لمعركة مستقلة، قبل أن تتحول النتائج في مجموعها إلى خريطة سياسية وطنية.
و هنا لا تكفي كثرة المترشحين، ولا تكفي كثرة الأحزاب، إنما المعيار الحقيقي سيكون عدد الأصوات التي يستطيع كل حزب تحويلها إلى مقاعد.
و هذا هو الاختبار الأكبر للأحزاب المغربية في انتخابات 2026:
فهل ما زالت تمتلك قواعد انتخابية حقيقية؟ أم أن جزءا من قوتها أصبح مرتبطا بالأسماء والوجوه والموارد و القدرة على إدارة الحملات؟
من الملفات التي تستحق المراقبة كذلك حضور النساء و الشباب في هذه الانتخابات. فالنقاش لم يعد ينبغي أن يتوقف عند عدد النساء الموجودات في اللوائح، وإنما يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر عمقا، فهل تمنح الأحزاب النساء و الشباب مواقع حقيقية قابلة للفوز، أم تكتفي بتمثيلية رقمية تفرضها القواعد القانونية والسياسية؟
الجواب لن يكون في البيانات الحزبية، بل في أسماء اللوائح وفي النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
و في هذه المرحلة بالذات، يحتاج المشهد الانتخابي إلى إعلام لا يكتفي بإعادة نشر بلاغات الأحزاب، بل هناك أسئلة تستحق التحقيق حول : من حصل على التزكية؟، من فقدها؟ ، ما هي الأسماء التي انتقلت بين الأحزاب؟ و ما هي الدوائر التي تعرف أكبر منافسة؟ ثم من هم المرشحون الذين سبق أن تحملوا مسؤوليات انتخابية و ما حجم تجديد النخب؟ ايضا ما حضور النساء والشباب و من يملك فعلا الحضور الميداني وليس فقط الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي؟
هذه الأسئلة يمكن أن تحول الانتخابات من مجرد حدث انتخابي إلى ملف استقصائي مفتوح أمام الصحافة والرأي العام.
9 شتنبر يغلق باب الترشيحات… لكنه يفتح بابا آخر مع اقتراب موعد انتهاء إيداع التصريحات بالترشيح، ستسقط تدريجيا الأقنعة السياسية. و ستظهر اللوائح و الأسماء، و التحالفات، ايضا ستظهر أيضاً بعض المفاجآت.
لكن المعركة لن تحسم في مكاتب التزكية، ولا في مقرات الأحزاب، ولا على شاشات الهواتف.
الحسم سيكون يوم 23 شتنبر. فذلك اليوم سيضع كل الوعود والخطابات و الحسابات أمام الاختبار الأصعب “صندوق الاقتراع”.
و من هنا، فإن انتخابات 2026 ليست فقط معركة بين أحزاب, إنها أيضا معركة بين النخب القديمة و الجديدة، بين الخطاب و الواقع، بين الحضور الرقمي و القوة الميدانية، وبين من يملك التزكية ومن يملك الناخب.
و السؤال الذي سيبقى مفتوحا إلى ليلة إعلان النتائج يكمن في من يملك فعلا مفاتيح مجلس النواب المغربي؟
الجواب لن تحدده التزكيات، ولن تحسمه الحملات، بل ستكتبه أصوات الناخبين.



