Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

في ظلال أجياد: إرثُ الشريف وفصلٌ من سفرِ الكرم المكي


السعودية : ديمة الشريف
تستيقظُ مكةُ في مواسمِ النورِ على هديلِ التلبيات، وتغتسلُ بطهرِ الطائفين، وفي قلبِ هذا الوجدانِ المكيّ العتيق، تتكئُ “أجياد” كشاهدٍ حيٍّ على تفاصيلِ زمنٍ مضى، زمنٍ لم يكنِ الحجُّ والعمرةُ فيه مجردَ شعائرَ تُؤدَّى، بل كانَ مدرسةً في العطاء، ومحفلاً تتجلى فيه خصالُ الرجالِ الذين نذروا أنفسَهم لخدمةِ ضيوفِ الرحمن.
هناك، بينَ الرواشينِ القديمةِ ونسماتِ الحرمِ الشريفِ التي تهبُّ على الحيِّ العريق، ترتسمُ في الذاكرةِ ملامحُ طفولةٍ استثنائية، طفولةٍ لم تولدْ في غمرةِ الترفِ العابر، بل نبتتْ وترعرتْ في محرابِ الخدمةِ والشرف، وتحديداً في كنفِ عمارةِ الجدِّ العظيم، اللواء الشريف عبد الله بن حمود الحارثي -رحمه الله وغفر له-.
صرحُ الشريف.. مدرسةُ العطاء الأولى
لم تكن تلكَ العمارةُ في “أجياد” مجردَ حجارةٍ مرصوصةٍ أو بناءٍ سكنيٍّ عابر؛ بل كانتْ منارةً تضجُّ بالحياةِ والأمل، ومحطةً تتلاقى فيها قلوبُ المؤمنينَ القادمينَ من كلِّ فجٍّ عميق. في مواسمِ الخير، كانتِ البنايةُ تتحولُ إلى خليةِ نحلٍ لا تهدأ، حيثُ يذوبُ الفارقُ بينَ صاحبِ المكانِ وقاصديه.
كنا نسكنُ معهم في ذاتِ البناية، نقتسمُ مع الحجاجِ والمعتمرينَ نسماتِ الفجر، ونستنشقُ معهم عبيرَ الرضا؛ فكانتِ الطفولةُ هناكَ تُسقى بماءِ الكرم، وتكبرُ على مشهدِ اليدِ الحانيةِ التي تمتدُّ لكلِّ محتاج. كانَ الجدُّ الشريف عبد الله -بجلالِ قدره ومقامهِ العسكريِّ القيادي- يقفُ بنفسه، وبكلِّ تواضعِ النبلاء، ليُشرفَ على راحةِ ضيوفِ الله، يغمرُهم بحبٍّ صادقٍ لا زيفَ فيه، ويرى في خدمتِهم شرفاً يفوقُ كلَّ الألقابِ والرتب.
ملامحُ طفولةٍ في رحابِ الوفاء
أن تعيشَ طفولتَكَ في “أجياد”، وفي جوارِ رجلٍ بحجمِ اللواء الشريف عبد الله
يعني أن تفهمَ معنى “الرُّجولةُ والمروءة” قبلَ أن تقرأها في بطونِ الكتب.
كنا نراقبُ خطواتهِ الواثقة، وابتسامتهُ الترحيبيةَ التي تنسي الغريبَ غربته، ونسمعُ نبراتِ صوتهِ الوقورِ وهو يوجّهُ ويساعدُ ويواسي.
كانتِ الأيامُ تمرُّ كأنها لوحاتٌ من النور:

  • التلبيةُ تصدحُ في الأرجاء وتملأُ النفوسَ سكينة.
  • موائدُ الجودِ تُبسطُ لكلِّ غادٍ ورائحٍ دونَ منٍّ أو ملمة.
  • وجوهُ الحجاجِ المتعبةُ تبتهجُ وتتهللُ فورَ دخولِها هذا الحمى الكريم.
    لقد كانتْ تلكَ الفترةُ فصلاً من الصياغةِ الإنسانيةِ الفريدة، حيثُ انطبعتْ في أرواحنا قيمُ البذلِ دونَ مقابل، والاحتفاءِ بالانسانِ لكونه ضيفاً لربِّ البيت.
    رحيلُ الجسدِ وخلودُ الأثر
    يمضي الرجالُ وتتغيرُ ملامحُ المدن، وتتبدلُ جغرافيةُ الأماكن، ولكنَّ أثرَ الرجالِ العظامِ يبقى نابضاً في عروقِ الزمن. لقد غابَ اللواء الشريف عبد الله بن حمود الحارثي عن دنيانا، ورحلَ جسدهُ الطاهر، لكنَّ ذكرهُ العطرَ ما زالَ يفوحُ مسكاً في رُبى مكة، وما زالتْ سيرتهُ تُروى كأقصوصةٍ من أقاصيصِ المجدِ والوفاء.
    إنهُ رجلٌ عظيمٌ لا يُنسى على الإطلاق؛ لأنَّ عظمتَهُ استمدَّها من جوارِ البيتِ ومن طهرِ الغاية. زرعَ في أبنائهِ وأحفادهِ إرثاً من النُّبلِ والشرفِ تضيقُ به العبارات، وتركَ في قلوبِ كلِّ من عرفهُ أو نزلَ بساحتهِ دعواتٍ صادقةً تلهجُ بها الألسنُ في جوفِ الليل.
    دعاءٌ سرمدي
    اللهمَّ يا رحمنُ يا رحيم، يا واسعَ المغفرةِ والعطاء، ارحمْ جدنا الشريف عبد الله بن حمود الحارثي واغفرْ له، وضاعفْ له الأجورَ والمثوبةَ زهاءَ ما قدمَ لضيوفِ بيتكَ الحرام. اللهمَّ اجعلْ قبرهُ روضةً نضرةً من رياضِ الجنة، وافسحْ له فيه مدَّ بصره، وانقلْه من ضيقِ اللحودِ إلى جناتِ الخلود، واجمعنا به في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدر.
    ستبقى “أجياد” وستبقى عمارةُ الجدِّ مأرزاً للذكرياتِ الجميلة، ومنبعاً للفخرِ الذي لا ينضب، فسلامٌ على روحِهِ في الخالدين، وهنيئاً للذاكرةِ التي تختزنُ مثلَ هذا البهاء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button