أخبارالرئيسيةفي الصميم

سبتة وحدود أوروبا القانونية..السيادة والاستثناء والضمان الأطلسي

ألمانيا-منير لكماني

تفرض سبتة على النقاش الإسباني والأوروبي سؤالا يتجاوز حدود الجغرافيا: ماذا يحدث حين يتحول الواقع السياسي القائم إلى حقيقة وحيدة في الوعي العام، بينما يختفي التاريخ الذي سبق هذا الواقع من الذاكرة؟ فالمدينة التي تقع على الساحل المغربي من إفريقيا تخضع اليوم للإدارة الإسبانية، وتدخل في نطاق الاتحاد الأوروبي، وترتبط بفضاء شنغن، لكنها تحمل في الوقت نفسه تاريخا مغربيا سابقا على الوجود البرتغالي ثم الإسباني، وتظل موضوع مطالبة رسمية من الرباط.

هذا البعد التاريخي ضروري لفهم الجدل الراهن. فالدراسات التاريخية الموثوقة تشير إلى أن سبتة كانت، قبيل سنة 1415، ضمن المجال السياسي للسلطنة المرينية في فاس، وإن تمتعت بهامش واسع من الاستقلال المحلي. وفي ذلك العام استولت عليها حملة برتغالية عسكرية، لتصبح منطلقا مبكرا للتوسع البرتغالي في شمال إفريقيا. وبعد اتحاد التاجين الإسباني والبرتغالي، استقرت المدينة في المجال الإسباني، ثم أبقتها معاهدة لشبونة سنة 1668 تحت سلطة إسبانيا. وهذه الوقائع لا تحسم وحدها النزاع القانوني المعاصر، لكنها تمنع اختزال تاريخ سبتة في القول إنها كانت إسبانية دائما.

المغرب، من جهته، لا يخفي موقفه. ففي غشت2026 جدد وزير العدل المغربي وصف سبتة ومليلية بأنهما «حق تاريخي وجغرافي» للمغرب، ودعا إلى حوار مع مدريد حول مستقبلهما، بينما ردت الحكومة الإسبانية برفض قاطع لأي نقاش يمس ما تعتبره سيادتها ووحدتها الترابية. وهنا يقع جوهر الخلاف: المغرب يستحضر التاريخ والجغرافيا واستمرارية المطالبة، وإسبانيا تستند إلى السيطرة القائمة وبنيتها الدستورية والمعاهدات التي كرست الوضع الحالي.

ويعبر القانون الإسباني عن هذا الموقف بوضوح. فالمادة الأولى من القانون العضوي رقم 1 لسنة 1995 تنص: «Ceuta, como parte integrante de la Nación española y dentro de su indisoluble unidad»، أي: «سبتة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسبانية وداخل وحدتها غير القابلة للانفصال». لكن هذا النص يحدد الموقف الدستوري الإسباني؛ فهو يثبت كيف تعرف الدولة الإسبانية سبتة في قانونها الداخلي، ولا يلغي بمجرده وجود مطالبة مغربية مناقضة.

أوروبيا، تصبح الصورة أكثر تركيبا. فالمادة 25 من صك انضمام إسبانيا إلى الجماعات الأوروبية تقر بتطبيق المعاهدات على سبتة، بينما ينص البروتوكول رقم 2 على: «El territorio aduanero de la Comunidad no comprenderá… Ceuta y Melilla»، أي: «لا يشمل الإقليم الجمركي للجماعة سبتة ومليلية». لذلك تدخل سبتة في نطاق الاتحاد الأوروبي، لكنها تبقى خارج إقليمه الجمركي، كما لا يطبق عليها نظام ضريبة القيمة المضافة الأوروبي بالصورة المعمول بها في إسبانيا القارية.

أما شنغن، فلا يصح وصف سبتة بأنها تقع خارجه. فمدونة حدود شنغن تقر صراحة «القواعد الخاصة المطبقة على مدينتي سبتة ومليلية»، كما أن حدود سبتة مع المغرب تعد حدودا خارجية لشنغن، مع استمرار فحوص الهوية والوثائق عند الانتقال منها إلى شبه الجزيرة الإسبانية أو بقية دول الفضاء. إنها إذن داخل شنغن، ولكن بترتيبات استثنائية تعكس خصوصية موقعها.

وتزداد المفارقة وضوحا داخل حلف شمال الأطلسي. فالمادة السادسة من معاهدة واشنطن تحدد النطاق الجغرافي المرتبط بالمادة الخامسة بأراضي الدول الأطراف الواقعة «في أوروبا أو أميركا الشمالية»، إلى جانب تركيا وبعض الجزر شمال مدار السرطان. وسبتة تقع في إفريقيا وليست جزيرة؛ لذلك لا يمنحها نص المعاهدة ضمانا صريحا وتلقائيا بالمادة الخامسة، وإن كان قرار تفعيل الدفاع الجماعي في أي واقعة فعلية قرارا سياسيا يتخذه الحلفاء بالتوافق.

وأظهرت تظاهرات سبتمبر 2026 مدى رسوخ قضية سبتة في الحساسية الوطنية الإسبانية، بعدما خرج آلاف في المدينة ومدن أخرى رافعين الأعلام ومرددين شعارات تؤكد إسبانية سبتة وترفض أي نقاش حول سيادتها. غير أن التعبئة الشعبية، مهما اتسعت، تعبر عن موقف سياسي في الحاضر ولا تختصر وحدها تاريخا تشكل عبر قرون من التحولات والصراعات. فالسيادة الإسبانية القائمة لها مسارها القانوني والسياسي، كما أن للمدينة تاريخا سابقا عليها يرتبط بالمجال المغربي قبل الاستيلاء البرتغالي سنة 1415. وإغفال إحدى هاتين الحقيقتين يجعل النقاش أسير رواية مبتورة؛ إذ لا يفهم الحاضر على نحو سليم إلا بوضعه داخل المسار التاريخي الذي أفضى إليه.

سبتة، في النهاية، ليست مجرد حدود أوروبية أقيمت على أرض إفريقية، بل عقدة تتقاطع عندها ذاكرة المغرب مع سيادة إسبانية قائمة، واستثناءات أوروبية، وحدود شنغن، وحدود النص الأطلسي. لذلك لن يفهمها من يبدأ التاريخ من الحاضر وحده، كما لن يحسم مستقبلها من يستدعي الماضي وحده. وبين الذاكرة والقانون والسياسة تبقى الحقيقة أوسع من الشعار، وأعمق من أن تختصرها راية مرفوعة في مظاهرة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button