
باريس- أحمد الميداوي
لم يستوعب الصحفيون من شدة الذعر الذي أصابهم، ما حدث للحمار الذي اقتحم قاعة التحرير يهز أذنيه الطويلتين، ويشهق وينهق طالبا مقابلة عاجلة مع رئيس التحرير، لإطلاع الرأي العام باسم الجمعية المغربية لحقوق الحمير، على الإساءات “الآدمية” التي بلغت مع اقتراب موعد “تشريعيات 2026″، حدّا لا يطاق من الإهانة والظلم والاحتقار.

بلغ إلى علمنا، يقول الحمار مخاطبا رئيس التحرير، اعتزام بعض الفعاليات السياسية، تنظيم، كما فعلت في الانتخابات التشريعية السابقة، مسيرة “حميرية” لتكون عنوانا لمسيرة يراد بها التعبير عن جهل وغباوة المرشحين، ممن ستوكل إليهم مهمة تسيير شؤون مواطنيكم.
لماذا تُستدعى الحمير في أوج الصراع الانتخابي، لتحشروها في غباوتكم أنتم؟ لماذا نحن بالذات؟ لماذا لا تكون المسيرة “بعيرية” أو “بغالية” أو حتى “دجاجية” تكثر البقبقة والضجيج؟ ألم يكفِ الإنسان ما ألحقه بنا من إساءات، حتى يجعل من اسمنا شتيمة سياسية ومرجعا انتخابيا؟
لم تكن الحمير تتوقع، سيدي، وهي التي صبرت طويلًا على ظلم الإنسان وقسوته، أن يأتي يوم تُستدعى فيه إلى قلب المعركة الانتخابية، لا باعتبارها كائنات تستحق الرفق، وإنما كأداة للغباوة والجهل والسخرية السياسية. ألسنا أكثر وفاء من بعض السياسيين، وأكثر صبرا من بعض المسؤولين، وأقلّ قدرة على إطلاق الوعود الكاذبة؟
لم يجد رئيس التحرير أمام زحف الأخبار وضيق الوقت، ما يرد به على صديقنا الحمار، سوى أن كلف أحد الصحفيين بإجراء مقابلة معه، في إطار محاورة هادئة تغوص في عمق الأشياء، بعيدا عن كل تعصب أو تجريم مجاني..
شرع الحمار يستعرض بشيء من الاعتزاز وبكثير من الألم أيضا، مسار الحمير التاريخي العامر بالمشاق والمتاعب التي تحمّلها على امتداد العصور، بصبر وطاعة ناذرين في خدمة الآدميين، ساخرا من كل الطرائف التحقيرية التي حكيت عنه في مجالس الأصدقاء والأقارب، ومن الكثير من الإبداعات الأدبية التي استأثر فيها بشهرة الغباء والتحمل، بدءا من الجاحظ في كتابه “الحيوان” إلى جان دو لافونطين “لي فابل” (حكايات)، وابن المقفع “كليلة ودمنة”، وغيرهم ممن أغنوا رفوف الخزائن والمكتبات ب”التراث الحميري” الغزير.
والطريف في الحكاية، سيدي، أن السياسة، حين تعجز عن العثور على الكلمات المناسبة لوصف فشلها، تستعير أحيانًا قاموس الحيوان. فتصف هذا بالحمار، وذاك بالبغل، وآخر بالثور، ورابع بالكلب. وكأن المشكلة في الحيوانات، بينما المشكلة الحقيقية قد تكون فيمن جعل السياسة نفسها حظيرة للوعود، والنفاق، والارتجال.
ولذلك جئتك مناشدا نشر خبر عاجل في الصفحة الأولى من جريدتكم تحت عنوان عريض:” مسيرة الحمار على الأبواب”، وهي مسيرة ستنطلق بمجرد حصولنا على التراخيص من الدوائر المعنية. فنحن من الكائنات التي ظلت على امتداد العصور تقوم بدورها الكامل في حمل الأثقال والتنقل بين الأرياف والمداشر، وعبر المسالك الوعرة خدمة للآدميين الذين ما فوّتوا مناسبة إلا وأمطرونا بأرذل النعوت، حتى إن مجرد ذكرهم لنا في مجالسهم، يُرفق غالبا بكلمة “حاشاكم”.
قررنا أن ننتقل على التو من طور المناداة بإنصافنا، إلى طور العمل الفعلي المؤدي إلى التخلص بشكل نهائي من التبعية والاستعباد الممارسين علينا منذ عصور. وسنُطلق مسيرتنا التحررية بتنسيق مع معظم “الجمعيات المهتمة بحقوق الحمير”، تمهيدا لقمة سياسية سيتم الإعلان خلالها عن تأسيس “الاتحاد الدولي لحقوق الحمير”، توكل له مهمة ترسيخ العدل والمساواة بين سائر المخلوقات، وإشاعة ثقافة التسامح والتصالح التي يجب أن تكون سائدة في علاقتنا مع الآدميين، وخاصة أصدقاؤنا العرب الذين كان عليهم، بدل أن يجمعوا على نعتنا بالأغبياء، أن يوظفوا ذكاءهم بما يجنبهم حروب التكتلات والولاءات التي تفتك بهم في لبنان والعراق وسوريا واليمن والصومال وفلسطين..
وفور إحداث اتحادنا، سنباشر الإجراءات القانونية الكفيلة بمواجهة الاضطهاد وسوء المعاملة الدولية التي تمارِس علينا. فنحن كائنات ناعمة ومسالمة، نحب ولا نكره، لنا نفس التركيبة الفيزيولوجية للحيوانات ذوات الأربع، وإن كانت حاجتنا الغريزية تجعلنا أحيانا ذوات خمس، وهذا لا ينتقص في شيء من قيمتنا حتى وإن أجمع الآدميون على تصنيفنا بالدواب الغبية والخنوعة.
وقبل إطلاق مسيرتنا، سنكون قد وضعنا دستورنا بما يكفل المساواة بيننا، ويضمن كافة الحريات بما في ذلك التجمعات السياسية، وتأسيس الأحزاب التي سندعو الآدميين إلى حضور مؤتمراتها كملاحظين تحت شرطي بسيطين: تشطيب صفتي الغباء والبلادة الملصقتان بالحمير من قاموس اللسان العربي، ونبذ الشعار العنصري “أجهل من حمار” الحاضر بقوة في الذاكرة المغربية.
وإني على يقين، يُجزم الحمار، من أن إعلان جريدتكم عن ثورة حميرية سلمية وشيكة، سيقوي من موقعها لدى القراء الذين سيثمّنون موقفكم المؤيد لتحرير كافة حمير الأرض. وحينما نتحرر، فلن نبيع بالتأكيد أصواتنا في الانتخابات، كما يفعل الآدميون، لمحتالين، وزراء وأعيان، مقابل ثمن سروال جينز، أو مصروف يوم…ولن نقضي عمرنا نؤمن فقط بالواجب ونؤديه، ثم ننتظر الحقوق الضائعة فلن تأتي لأننا لم نطلبها.
اختلط الأمر على الصحفي بعد أن استعصى عليه فهم المقاصد الحقيقية للحمار المتمرد، الذي نهض يذبّ بعض الحشرات الطائرة بذيله، سائلا عن عنوان جريدة أخرى يزف لها خبر ثورة الحمير، قبل أن ينبهه الصحفي إلى الإسراع بالالتحاق بمهرجان الحمير، المنعقد بعد الغد بمدينة مولاي ادريس زرهون (نزالة بني عمار) لاختيار، على عادته كل سنة، ملكة جمال الحمير، حيث المُربّون وكلهم من بسطاء المنطقة ينالون مبالغ مالية وأكياسا من الشعير للحمير الفائزة بالإضافة إلى الكشوفات والمعالجات البيطرية التي تتكفل بها جمعية الرفق بالحيوان والمحافظة على الطبيعة. قد يرى البعض في كلامي، تضامنا لا مشروطا مع حمير الأرض. قد يكون الأمر كذلك، لكنه في الحقيقة مستلهم من قصيدة طريفة للشاعر المصري، مصطفى إسماعيل، تحت عنوان “دفاعا عن الحمار”، وهذه بعض أبياتها:
يا قوم هل هان الحمار عليكم حتى تنادوا كل سوء حمارا
مال الحمار وما جنى من شرٍّ كان لكم دمارا
هل كان يوما للحمار مصيبةٌ هزت بلدة أو دوارا
أرأيته سرق البنوك وإلى بلاد الغرب طارا
أو أنه يوما أهان صاحبه أو غشّ جارا
فهو الحمار إذا أمرته أطاعك دونما تكرارا
لطفا يا قوم، صونوا ودّهُ، ولا تنادوا باسمه الأشرارا
فالشرّ يسعى كل يوم بينكم أنتم، أما الحمار فسوف يبقى حمارا



