
بقلم: ذ. زهير أصدور(*)
أدخلت استقالة رئيس ديوان مندوب الحكومة الإسبانية في سبتة، على خلفية تضارب الروايات بشأن تحذيرات الاستخبارات، الأزمة في مرحلة جديدة. فقد أصبح السؤال عما جرى داخل المؤسسات الإسبانية يزاحم الاتهامات الموجهة إلى المغرب: من كان يعلم؟ ومن نقل المعلومة؟ وكيف تحولت التحذيرات إلى خلاف حول المسؤولية؟
وتكشف التغطية الإسبانية، إلى غاية يومه، اتساع هذا الخلاف. فبين تأكيد رئيس الديوان المستقيل أنه أبلغ مندوب الحكومة بالتحذيرات، ونفي الأخير توصله بها، جاءت تصريحات رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، بشأن تقليل الحكومة المركزية من تنبيهاته، لتزيد الضغط على رواية مدريد الرسمية.
وجود تحذير لا يثبت، وحده، القدرة على توقع حجم الأحداث، كما أن اختلاف الروايات لا يحسم المسؤوليات. لكنه يفرض مساءلة طريقة تداول المعلومات واتخاذ القرار قبل البحث عن تفسير خارجي شامل للأزمة. فالمعلومة التي تختلف المؤسسات بشأن وصولها لا يمكن أن تصبح أساسا ليقين سياسي بشأن مسؤولية دولة أخرى.
هنا تتضح عقدة العلاقة مع المغرب. فكلما اشتدت المساءلة داخل إسبانيا، ازدادت قابلية الرباط للتحول إلى موضوع في الصراع بين الحكومة والمعارضة. وقد ظهر ذلك في رد الحزب الشعبي على الموقف المغربي، باتهام المملكة بالمسؤولية بالفعل أو بالامتناع، وتقديم الأحداث باعتبارها هجوما هجينا، مقابل رفض الرباط الاتهامات وتوظيف الأزمة في الحسابات السياسية الإسبانية.
ولهذه اللغة أثر يتجاوز السجال الحزبي. فوصف تدفق المهاجرين بأنه هجوم ينقل الملف من إدارة أزمة حدودية وإنسانية إلى منطق المواجهة بين الدول. وبمجرد ترسيخ هذا التصور لدى الرأي العام، يصبح التعاون قابلا للتقديم باعتباره تنازلا، ويغدو الحوار عبئا على من يدافع عنه. هكذا تستطيع المزايدة الداخلية أن تضيق هامش الحركة الدبلوماسية أمام أصحابها أنفسهم.
وتواجه الحكومة الإسبانية، في هذا السياق، اختبارا مزدوجا: تقديم أجوبة مقنعة بشأن تدبير الأزمة، والحفاظ على قدرة العمل مع المغرب. أما الخلط بين مساءلة الأداء الحكومي والطعن في العلاقة الثنائية، فيجعل استعادة الثقة داخليا رهينة بتصعيد قد يصعب احتواؤه خارجيا.
وفي الخلفية، يتسع الحضور الأوروبي. فالمساعدة الطارئة البالغة 114.7 مليون يورو، التي أعلنتها المفوضية الأوروبية في 9 شتنبر، والدعم المرتبط بالمراقبة والاستقبال والعودة ومشاركة الوكالات الأوروبية، تضيف إلى الأزمة مستوى يتجاوز العلاقة المباشرة بين الرباط ومدريد.
والسؤال الذي يستحق المتابعة هو ما إذا كان هذا التدخل سيظل استجابة ظرفية، أم سيفضي إلى حضور مؤسساتي أطول وأكثر تأثيرا في تدبير المنطقة. لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بالمسار الثاني، كما لا يجوز اعتبار الدعم الأوروبي تبنيا تلقائيا للاتهامات الموجهة إلى المغرب. لكن اتساع المشاركة الأوروبية يقتضي الانتباه إلى ما قد ينشأ عنها من ترتيبات دائمة، وإلى الأطراف التي ستشارك في صياغتها.
بالنسبة إلى المغرب، تبرز أهمية الجمع بين الرد الدقيق على الاتهامات والعمل الدبلوماسي المتواصل في مدريد وبروكسل. فالدفاع عن الموقف المغربي يحتاج إلى معطيات قابلة للتحقق، وخطاب يميز بين مؤسسات الدولة الإسبانية ومواقف حكومتها ومزايدات أحزابها. وهذا التمييز يحفظ للمغرب القدرة على مواجهة التصعيد دون إغلاق منافذ التفاهم.
كما يقتضي ذلك إبقاء الوضع الإنساني في قلب النقاش. فالدعوة التي وجهتها فاطمة حامد، في مقابلتها المنشورة يوم 12 شتنبر، إلى سياسة دولة تجمع بين حاجات سكان سبتة وكرامة المهاجرين، تعبر عن مأزق مدينة تتحمل يوميا كلفة صراع تتعدد منابره وتتأخر حلوله. وتزيد التقارير عن المضايقات العنصرية وخطاب الكراهية من خطورة تحويل الاحتقان إلى شرخ داخل المجتمع المحلي.
فالاستقرار لا يتحقق بالمراقبة وحدها. يحتاج أيضا إلى مؤسسات موثوقة، ومعلومات واضحة، وحماية الناس من أن يصبح أصلهم أو مظهرهم سببا للاشتباه فيهم. وكل خطاب يضعف التعايش داخل سبتة يضيف إلى الأزمة الحدودية أزمة اجتماعية يصعب علاجها بالإجراءات الأمنية.
تضع هذه التطورات الرباط ومدريد أمام خيار سياسي واضح: بناء تفاهم يستند إلى تحديد المسؤوليات بالوقائع، أو ترك العلاقة رهينة لتنافس داخلي على رفع سقف الاتهام. وقد تمنح المزايدة أصحابها مكسبا في الداخل، لكنها تضيق هامش التفاهم بين دولتين لا تستطيع أي منهما تغيير جغرافيتها.
* عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية.



