أخبارالرئيسيةفي الصميم

التݣابيل الانتخابي:كثير من الضجيج وقليل من السياسة

ألمانيا- منير لكماني

يبدو أن بعض الحملات الانتخابية لم تعد تحتاج إلى خبراء في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة، بقدر حاجتها إلى ألسنة سريعة، وذاكرة تحفظ عثرات الخصوم، وقدرة خارقة على تحويل كل تصريح إلى معركة.

يكفي أن يتكلم حزب حتى يستعد الآخر للرد، ثم يأتي الرد على الرد، والتوضيح على التوضيح، إلى أن ينسى الجميع أصل السؤال: ماذا ستفعلون بالبلاد إذا وصلتم إلى الحكم؟المشهد، في جوانب كثيرة منه، أقرب إلى «التݣابيل» الشعبي منه إلى تنافس سياسي حول البرامج.

كان التݣابيل في ثقافتنا الشعبية مبارزة كلامية تقوم على سرعة البديهة، وحدة الجواب، وقوة الإحراج. لكل طرف ذخيرته من الصور الساخرة والعبارات القاسية، والجمهور ينتظر الضربة اللفظية التي تسكت الخصم. الفرق أن تݣابيل الأمس كان يعرف حدوده باعتباره فرجة اجتماعية، أما تݣابيل اليوم فقد ارتدى بذلة رسمية، وصعد المنصة، وحمل ميكروفونا، ثم طلب منا أن نسميه حملة انتخابية.

هذا يصف خصمه بالعجز، وذاك يتهم منافسه بالفشل، وثالث ينقب في أرشيف السنوات الماضية بحثا عن جملة تصلح ذخيرة لليوم. وإذا ضعفت الفكرة، ارتفع الصوت.

وإذا غاب البرنامج، حضرت السخرية. وإذا استعصى تقديم الحلول، صار أسهل إنجاز سياسي هو إقناع الجمهور بأن الطرف الآخر أسوأ.أما البلاد، فتنتظر دورها في الحديث.أين المدرسة من كل هذا الضجيج؟ أين المستشفى؟ أين البطالة، والقدرة الشرائية، والماء، والسكن، والنقل، والقرية، والعدالة المجالية؟ أين الأرقام؟ أين كلفة الوعود؟ أين مصادر التمويل؟ وأين الجدول الزمني الذي يسمح للناخب بأن يعود بعد خمس سنوات ليقول: وعدتم بهذا، فماذا أنجزتم؟هذه الأسئلة لا تصنع عادة مقاطع مثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

فشرح إصلاح التعليم يحتاج إلى وقت، أما السخرية من منافس فلا تحتاج إلا إلى عشر ثوان. وتقديم تصور للسياسة الصحية يحتاج إلى أرقام ومؤشرات، أما إطلاق نكتة سياسية فيكفيه هاتف وكاميرا وجمهور مستعد للتصفيق.

وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت مشكلات المجتمع أكثر تعقيدا، صار بعض الخطاب السياسي أكثر بساطة وسطحية.يتغير الشعار، وتتغير الصورة، ويتغير لون المنصة، لكن كثيرا من الأفكار تبقى في مكانها.

كأننا أمام من يبدل ملابسه باستمرار، ويتأكد من لمعان حذائه، ثم يصر على الاحتفاظ داخل رأسه بالأفكار القديمة نفسها؛ حتى إذا سئل عن التجديد، أشار بفخر إلى ربطة عنقه الجديدة.

التجديد السياسي ليس في الزينة. التجديد أن يمتلك الحزب شجاعة القول: هذه أولوياتنا، وهذه إمكانات الدولة، وهذا ما يمكن تنفيذه، وهذا ما يحتاج إلى عشر سنوات لا إلى خمس، وهذه القطاعات التي سنركز عليها بدل توزيع الوعود على الجميع بالتساوي.فالبرنامج الانتخابي ليس لائحة أمنيات، والدولة ليست صندوقا بلا قاع، والناخب ليس طفلا ينتظر من يعده بأكبر عدد من الهدايا.ولا يكفي أن تقول المعارضة إن الحكومة أخفقت في كل شيء، كما لا يكفي أن تقول الحكومة إنها نجحت في كل شيء.

الأولى مطالبة بالبديل، والثانية مطالبة بالدليل. وبين خطاب «تركنا لكم الجنة» وخطاب «وجدنا أمامنا الخراب»، تضيع غالبا منطقة كاملة اسمها الحقيقة.ستنتهي الحملة في النهاية.

ستطوى اللافتات، وستصمت مكبرات الصوت، وسيتوقف السياسيون عن زيارة أماكن اكتشف بعضهم وجودها قبل الاقتراع بأسابيع. سيعود المواطن إلى المستشفى نفسه، والمدرسة نفسها، وفاتورة المعيشة نفسها، وسيقف الشباب أمام سوق العمل منتظرين شيئا أكثر فائدة من مباراة في سرعة الرد.عندها لن يكون مهما من ربح التݣابيل، بل من ربح ثقة الناس بالفعل، ومن ترك بعده مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وفرص عمل أكثر، وقرية أقل عزلة.

فالبلدان لا تتقدم بمن يسكت خصمه على المنصة، بل بمن يسكت بعض مشكلاتها على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button