
الحدث الإفريقي | ما وراء المشهد الانتخابي
مع انطلاق الحملة الانتخابية، يلفت الانتباه مشهد مختلف عن الصورة التي اعتادها المغاربة في الاستحقاقات السابقة؛ حضور محدود لعدد من المرشحين وممثلي الأحزاب في الأسواق الأسبوعية والأحياء الشعبية، وهي الفضاءات التي ظلت لعقود مسرحاً رئيسياً للحملات الانتخابية، ومختبراً حقيقياً لقياس نبض الشارع.
ففي السوق والحي والمقهى والشارع، كان المرشح يلتقي المواطن وجهاً لوجه، يستمع إلى شكاياته، يناقشه في قضاياه اليومية، ويتحسس بنفسه درجة القبول أو الرفض. وكانت تلك اللقاءات، بما تحمله من عفوية ومباشرة، تمنح المرشح صورة أقرب إلى الواقع عن مزاج الناخبين وانتظاراتهم.
اليوم، يبدو المشهد مختلفاً.
فهل يتعلق الأمر بتحول حقيقي في هندسة الحملات الانتخابية؟ وهل أصبح المرشحون يعتمدون أكثر على شبكات التواصل الاجتماعي، والاستهداف الرقمي، واللقاءات المنظمة، وشبكات العلاقات المحلية، بدل النزول المباشر إلى الفضاءات الشعبية؟
أم أن هناك جزءاً آخر من الحملة لا يظهر بالضرورة أمام عدسات الكاميرات، ويتحرك عبر قنوات غير مباشرة، من خلال أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم قادرين على الوصول إلى مجموعات من الناخبين والتأثير في اختياراتهم؟ هنا يبرز مصطلح يتردد كثيراً في النقاشات الانتخابية: “سماسرة الانتخابات”.
ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بتوجيه اتهامات إلى أشخاص أو جهات بعينها، بقدر ما يتعلق بطرح سؤال سياسي ومجتمعي حول ظاهرة تتكرر في النقاش العام: هل انتقل التواصل الانتخابي من المرشح مباشرة إلى المواطن، إلى وسيط يدعي امتلاك القدرة على الوصول إلى المواطن والتأثير في اختياراته؟ السؤال يبدو بسيطاً، لكن خلفه تحولات عميقة في طريقة إدارة الحملات.
من يبحث عن المواطن.. ومن يبحث عمن يعرفه؟
إذا كان المرشح في السابق ينزل إلى السوق والحي والشارع والمقهى للبحث عن أصوات الناخبين، فإن بعض الحملات اليوم قد تكون بصدد اعتماد منطق مختلف: البحث عمن يقول للمرشح إنه يعرف أين يوجد الناخب، وكيف يمكن الوصول إليه، ومن يؤثر فيه.
والفارق بين الحالتين ليس تفصيلاً بسيطاً. فالسياسة التي تنزل إلى الشارع تواجه المواطن مباشرة، وتسمع منه دون وسيط، وتتعرض في اللحظة نفسها للقبول والرفض والانتقاد والمساءلة.
أما السياسة التي تمر عبر شبكة من الوسطاء، فقد تجد نفسها في مواجهة صورة عن المواطن، لا المواطن نفسه. وهنا تكمن إحدى مفارقات الحملات الحديثة. فقد يقدم بعض الوسطاء للمرشح أرقاماً وتقديرات وانطباعات حول ما يسمى بـ”الخزان الانتخابي”، أو يطمئنونه إلى وجود قاعدة تصويتية واسعة، فيبني حملته على معطيات قد تبدو دقيقة على الورق، لكنها لا تعكس بالضرورة حقيقة المزاج الانتخابي داخل المعزل.
فالانتخابات لا تُحسم دائماً وفق عدد الأشخاص الذين يحضرون لقاءً، أو حجم شبكة العلاقات التي يدعي أحدهم امتلاكها، ولا وفق عدد الصور المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي.
التكنولوجيا غيرت شكل الحملة..لكنها لم تلغِ الشارع
لا شك أن الحملات الانتخابية تغيرت. فالمنصات الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من التواصل السياسي، والإعلان الموجه يتيح الوصول إلى فئات محددة، كما أصبحت الصورة والفيديو والخطاب المختصر أدوات مؤثرة في تشكيل الانطباع لدى الناخب. لكن السؤال ليس ما إذا كانت التكنولوجيا قد دخلت إلى الحملة، فهذا أمر واقع، وإنما هل تستطيع التكنولوجيا أن تعوض بالكامل اللقاء المباشر مع المواطن؟
فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد معركة على الفضاء الرقمي، وإنما اختبار للثقة في العالم الحقيقي. وقد تنجح حملة في تحقيق انتشار واسع على الإنترنت، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل ذلك الانتشار إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
وبالمثل، قد يبدو مرشح ما محاطاً بشبكة واسعة من العلاقات والوعود الانتخابية، قبل أن يكتشف يوم الاقتراع أن جزءاً كبيراً من تلك الشبكة لم يكن سوى انطباع مضخم عن قوة انتخابية غير موجودة.
السوق والحي..مختبران لاختبار الحقيقة
لذلك، فإن الغياب النسبي للمرشحين عن الأسواق الأسبوعية والأحياء الشعبية يستحق التوقف عنده، ليس باعتباره دليلاً على وجود خلل بالضرورة، وإنما باعتباره مؤشراً على تحول محتمل في الثقافة الانتخابية المغربية. فهل نحن أمام تحديث طبيعي لأدوات الحملة وأساليبها؟ أم أمام انتقال تدريجي من التواصل المباشر إلى اقتصاد جديد للوساطة الانتخابية؟ وهل أصبح المرشح أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والخبراء وشبكات الوسطاء، وأقل اعتماداً على اللقاء المباشر مع الناخب؟
إن كان الأمر كذلك، فإن الرهان لا يتعلق فقط بطريقة تنظيم الحملة، بل بمدى قدرة المرشح على معرفة حقيقة الأرض الانتخابية التي يخوض فوقها المعركة. لأن المواطن ليس رقماً في قاعدة بيانات، ولا اسماً في لائحة، ولا رقماً يقدمه وسيط، ولا “خزاناً انتخابياً” مضموناً حتى يثبت العكس. المواطن ناخب مستقل، وقد يستمع إلى المرشح ويصافحه ويبتسم في وجهه، ثم يدخل إلى المعزل ويتخذ قراراً مختلفاً تماماً.
في النهاية، لن تحسم الانتخابات كثرة الولائم، ولا عدد اللقاءات المغلقة، ولا الوعود المتداولة، ولا حجم الحضور الافتراضي على مواقع التواصل، ولا حتى ادعاءات بعض الوسطاء حول حجم تأثيرهم.
الصندوق وحده سيكشف الحقيقة
هناك، داخل المعزل الانتخابي، تسقط كل التقديرات المبالغ فيها، وتنتهي كل الحسابات الافتراضية، ويتحول الناخب من “رقم في خزان انتخابي” إلى صاحب قرار. وهناك أيضاً سيتضح من كان يمتلك أصواتاً حقيقية، ومن كان يمتلك فقط ادعاء امتلاكها.
ما وراء الخبر:
قد تتغير أدوات الحملة الانتخابية، وقد تنتقل من السوق إلى الهاتف ومن الحي إلى المنصة الرقمية، لكن قاعدة واحدة لا تتغير: من لا يسمع صوت المواطن مباشرة، قد يسمع بعد إغلاق الصناديق صوتاً آخر لا يستطيع أي وسيط أن يغيّره.



