
بقلم/ ربيع كنفودي
كلما اقترب موعد الانتخابات، تستفيق الأحزاب السياسية من سباتها، وتبدأ رحلة البحث عن المواطن، ليصبح هو الأولوية، وتصبح مشاكله عنوانا للبرامج، وتتحول معاناته اليومية إلى مادة دسمة في الخطاب واللقاءات والتجمعات الانتخابية، ترتفع حرارة الخطاب السياسي وتتعدد الوعود ويظهر المرشحون وكأنهم يحملون مفاتيح الحل لكل الأزمات.
الغلاء؟ هناك حل، البطالة؟ هناك برنامج. الصحة والتعليم؟ هناك إصلاحات، والقدرة الشرائية؟ هناك التزامات. النقل والسكن والاستثمار؟ لكل مشكلة وعد، ولكل معاناة شعار، ولكل فئة اجتماعية خطاب يناسبها، لكن المفارقة تبدأ مع صباح اليوم الموالي لإعلان النتائج، فالمواطن الذي كان مطلوبا بالأمس وأولوية انتخابية، يصبح فجأة أقل أهمية، والمرشح الذي كان يطرق الأبواب ويصافح المواطنين ويستمع إلى شكاياتهم، يصبح نائبا أو مسؤولا يصعب الوصول إليه، حتى رقم الهاتف يغيره وإن بقي نفسه لا يجيب، والوعود التي كانت تقدم باعتبارها التزامات سياسية، تتحول تدريجيا إلى عبارات مؤجلة، ثم إلى مشاريع مؤجلة، ثم إلى ملفات اصطدمت بـ”الإكراهات”، لنجد أنفسنا أمام خطاب التضليل الذي تبدأ معه أزمة الثقة من جديد، انعدام الثقة في الأحزاب والممثلين والخطاب الممارس.
لا أحد ينكر أن تدبير الشأن العام تحكمه إكراهات مالية واقتصادية واجتماعية ودولية، ولا يمكن لأي حزب أن يملك عصا سحرية لحل جميع المشاكل، والمواطن صوت بناء على ما سمعه من وعود وما قدم له من برامج وما قيل له عن قدرة المرشحين على التغيير، فالمشكلة ليست في وجود الإكراهات، وإنما في الاحتجاج بها بعد الفوز. فإذا كانت هذه الإكراهات معروفة قبل الانتخابات، لماذا لا لم يصارح بها المرشح المواطن بوضوح أثناء الحملة؟ لماذا لا يقال للناخب إن تنفيذ هذا الوعد مرتبط بموارد مالية، أو بتوافقات سياسية، أو بظروف اقتصادية دولية؟ ولماذا تقدم الوعود أحيانا بصيغة اليقين أثناء الحملة، ثم تتحول بعد الوصول إلى المسؤولية إلى مجرد احتمالات؟
لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام سؤال جوهري، هل كانت الوعود الانتخابية المعلن عنها التزامات حقيقية، أم مجرد أدوات لاستمالة الناخبين؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس اختلاف المواطنين مع الأحزاب، وإنما فقدانهم الثقة في جدوى التصويت أصلا، فعندما يشعر المواطن أن صوته يستدعى بقوة خلال الحملة، ثم يهمل بعد الانتخابات، فإن الضرر لا يلحق بحزب بعينه، بل يصيب صورة المؤسسات السياسية برمتها. والأحزاب التي تطالب المواطن بالتصويت والمشاركة وتحمل المسؤولية مطالبة اليوم بدورها بتحمل مسؤولية والالتزام والوفاء بوعودها، فلا يمكن أن تكون الانتخابات موسما للوعود، وبعدها تصبح الولاية الانتخابية موسما للتبرير. إن المقعد الانتخابي المتنافس عليه ليس امتيازا شخصيا، ولا جائزة يتم منحها للمرشح مقابل حملة ناجحة، بل إنه تفويض من المواطنين، والأكيد أن هذا التفويض يرافقه واجب المساءلة والمحاسبة، وتبقى أخطر لحظة بالنسبة إلى أي حزب ليست لحظة إعلان النتائج، وإنما لحظة عودة المواطنين إلى الشارع وهم يقارنون بين ما سمعوه قبل الانتخابات وما عاشوه بعدها.
نحن اليوم أمام المرحلة ينبغي ألا تكون مجرد موسم جديد لتسويق الوعود، بل مناسبة لطرح سؤال مهم، ماذا فعلتم بما وعدتم به؟ فالمواطن لم يعد يريد أن يكون مجرد رقم في صناديق الاقتراع، ولا صورة تؤثت تجمعا انتخابيا، ولا رأسا يقبل وتسجله عدسات الكاميرات أثناء الحملة، إنما يريد أن يكون مواطنا حاضرا في حسابات الحزب قبل الانتخابات وبعدها. فالانتخابات تمنح المقعد، لكنها لا تمنح البراءة من الوعود، والصندوق يفتح باب المسؤولية، لكن في المقابل لا يغلق باب المحاسبة.
فهل سيكون المترشح الفائز على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، أم لا؟



