“لاتفقهون في السياسة”رصاصة بنعلي وحكمة أسئلة”صدى الانتخابات”

بقلم: عبد السلام العزوزي
هناك سياسيون يدخلون الاستوديو حاملين ملفاتهم، وحججهم، وابتساماتهم أيضا، ومتسع في صدورهم لأسئلة الصحفيين التي قد تكون محرجة أحيانا، وذلك قياما بمهمتهم المسنوده لهم في ابلاغ الرأي العام بحقيقة ما يجري من أحداث. وهناك من يدخله حاملاً أعصابه بين عينيه مكشرا بمفردات ساخنة ومستفزة أحيانا، مقبل على تحويل نقاش سياسي عادي في برنامج تلفزيوني انتخابي إلى حلقة “حامية الوطيس”، يتأبط شرا بطاقم البرنامج ويبخص عمل اعلامي مهني صرف إلى نقاش غير ذي جدوى، تحبس أنفاسه عصبية سياسي يبدو أنه أمين عام، ما حول ذكاء وثبات وصبر صاحب برنامج “صدى الانتخابات” على قناة ميدي1 تيفي، الزميل المقتدر الخلوق الإعلامي الشهير نوفل العواملة و زميله الاعلامي بوشعيب الحمراوي المميز والخلوق ضيفه السياسي محط سخرية المشاهدين، وهو يتهم طاقم البرنامج بقوله” أنتم لا تفقهون في السياسة شيئا”، ليرد عليه بتواضع الإعلامي المتمكن الزميل نوفل : “فقهنا في السياسة”.
وأيضا لما شدد ضيف البرنامج على أن حزب جبهة القوى الديمقراطية لم ينشق أبدا من حزب التقدم والاشتراكية، وأن مؤسسه وزعيمه الراحل التهامي الخياري لم يكن أبدا في حزب “الكتاب” بحسب قول بنعلي في نفس البرنامج. وهذا كلام مردود على صاحبه بحكم حقيقة التاريخ والمسار السياسي للراحل التهامي الخياري..ولازال كبار زعماء التقدم والاشتراكية على قيد الحياة يشهدون بهذه الحقيقة الحزبية التاريخية. على من يكذب بنعلي؟. يكذب على نفسه أم على البرنامج أم على الشعب المغربي؟.

يبدوا أن الرجل كان على غير طبيعته (….) أو أن حرارة الانتخابات وصدماتها القوية في منطقة سيدي سليمان التي انتقل إليها بنعلي من بركان (2021) إلى سيدي سليمان (2026)، وشح مريديه ومناضليه في المنطقة، زادت من ضغطه ومن جرعة عصبيته، حينما زاد وقال بأن الأمين العام الحالي المصطفى لمفرك بحكم الأحكام القضائية لم يكن أبدا في قيادة حزب جبهة القوى الديمقراطية التي طرده وبعض أعضاء الأمانة العامة منها في سنة 2019، ليعلنوا في مؤتمر تصحيحي في نفس السنة عن انتخاب المصطفى لمفرك أمينا عاما، وهو ما أقره القضاء في أحكامه التي أعلن عنها لمفرك في ندوته الصحفية الأخيرة (26 عشت 2026) في الرباط.
ولم يكتف بهذا القدر، إنما أضاف، وبالواثق من نفسه؛ أن صراع التزكيات لم يحدث بتاتا، خلال هذه المحطة الانتخابية، وأن حزب جبهة القوى الديمقراطية له أمين عام واحد هو بنعلي وغيره هراء. ونفى قطعيا الأحكام الصادرة جميعها ضده في جميع مراحل الأحكام القضائية التي ربحها إلى الآن المصطفى لمفرك الذي يعقد اجتماعاته بصفته أمينا عاما لحزب جبهة القوى الديمقراطية بشكل عادي وقانوني أمام السلطات العمومية ويتوفر على أختام الحزب.
وختمها ضيف برنامج “صدى الانتخابات” بما قد لا يصدقه المنطق والواقع، من أن 26 ألفا من المواطنين شاركوا في انجاز برنامجه الانتخابي، وهذه العملية عجزت فيها حتى بعض الأحزاب الكبرى التي اعتمدت خبراءها من المناضلات والمناضلين، أو استعانت بخبراء في المجال من خارج الحزب.
منذ الدقائق الأولى، وبعدما قدم الإعلامي نوفل العواملة الورقة الافتتاحية التي استعرضت مسار الحزب ومحطات من تاريخه، جاءت العبارة التي اختصرت شيئاً كثيراً من روح الحلقة:”أنتم لا تفقهون شيئاً في السياسة”. هكذا قالها بنعلي.
هكذا، وبكل بساطة، انتقل النقاش من السياسة إلى امتحان في السياسة! لم يعد السؤال سؤالاً، ولا الورقة ورقة صحفية، ولا الاستوديو فضاءً للحوار؛ صار الصحفي فجأة تلميذاً يقف أمام سبورة، بينما يجلس السياسي في مكان الأستاذ ليعلن أن الإجابة خاطئة قبل أن يبدأ الامتحان.
لكن المشكلة الصغيرة، التي ربما فاتت صاحب العبارة، أن الصحفي لم يأتِ إلى البرنامج لكي يحصل على شهادة في العلوم السياسية من ضيف الحلقة. جاء ليسأل.وهذه، في الأحزاب الديمقراطية التي تحترم نفسها، ليست جريمة.
عندما يغضب السياسي من السؤال
كان بإمكان بنعلي أن يقول: “هذه المعلومة غير دقيقة”، أو “هذه قراءة غير مكتملة”، أو “لدي رواية أخرى موثقة. وكان بإمكانه أن يفتح ملفاته، ويضع وثائقه على الطاولة، ويفنّد ما ورد في الورقة نقطة بنقطة.
بل كان يمكنه أن يحوّل الحلقة إلى درس سياسي حقيقي، فيخرج منتصراً بالحجة لا بالنرفزة والعصبية. لكن عبارة “لا تفقهون شيئاً في السياسة” بدت أقرب إلى محاولة إغلاق الباب قبل فتحه. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.
السياسي الذي يطلب ثقة المواطن يريد أن يُسأل عن برنامجه، وعن حصيلته، وعن حزبه، وعن رؤيته للمغرب، لكنه لا يريد، على ما يبدو، أن يُسأل عن الملفات التي تؤلمه. وهذه مشكلة قديمة في السياسة؛ كل سياسي يحب السؤال الذي يلمّع صورته، ويكره السؤال الذي يفتح درجاً نسي أن مفتاحه ما زال في جيب الصحافة. والصحافة، مع الأسف أو لحسن الحظ، لا تعمل وفق قائمة الأسئلة التي يكتبها الضيف. في مخياله.
التاريخ لا يتلقى التعليمات
حين تفتح الصحافة ملف جبهة القوى الديمقراطية، فهي لا تفتعل تاريخاً من العدم. بل هناك حزب تأسس سنة 1997، من طرف زعيمه الراحل التهامي الخياري، وهناك تجربة سياسية وانتخابية وحكومية، وهناك أرقام ونتائج، وهناك محطات صعود ونكوص. والتاريخ السياسي لا يعاد ترتيبه كلما تغيرت القيادة.
فالتهامي الخياري يبقى اسماً مركزياً في قصة تأسيس الجبهة وقيادتها الأولى، تماماً كما تبقى نتائج الحزب الانتخابية جزءاً من ذاكرته السياسية. والأرقام، تحديداً، لا تعرف الغضب.لا تنفعل. لا ترفع صوتها. ولا تقول للصحفي: “أنت لا تفقه في السياسة”.
تقول فقط:9مقاعد سنة 1997، و12 مقعداً سنة 2002، ثم 9 في 2007، ومقعد واحد في 2011، وصفر مقعد في 2016، ثم ثلاثة مقاعد في 2021.كان الزعيم النقابي والسياسي حميد شباط من أهل الحزب ليتمكن من الحصول على هذه المقاعد الأخيرة منها 2 في فاس. هذه ليست وجهة نظر صحفي. هذه صناديق اقتراع. ومن يريد أن يجادل فيها، فليجادل تفسيرها السياسي، لا وجودها.
بنعلي من بركان إلى سيدي سليمان
السياسة ليست فقط صور المؤتمرات ولا خطب المنصات ولا عبارات “لدينا مشروع” و”نحن مستعدون”. السياسة أيضاً حصيلة. والحزب الذي حقق في مرحلة سابقة 12 مقعداً، ثم مر من مرحلة الصفر البرلماني، قبل أن يعود بثلاثة مقاعد، من حق الصحافة أن تسأله: ماذا حدث؟ هل هو تغير في الخريطة السياسية؟ أم ضعف تنظيمي؟ أم تغير في المجتمع والناخبين؟ أم أزمة قيادة؟ أم كل ذلك مجتمعاً؟.
ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجاً، وربما الأكثر انتخابية؛ لماذا بركان بالأمس وسيدي سليمان اليوم؟ لا أحد يقول إن الانتقال بين الدوائر جريمة. ولا أحد يقول إن للمرشح حقاً أبدياً في دائرة انتخابية. لكن حين يكون المرشح هو الأمين العام للحزب، يصبح اختياره الانتخابي مادة سياسية مشروعة للسؤال. فهل اختار سيدي سليمان لأن الحسابات الانتخابية تغيرت؟ هل هي محاولة لبناء حضور جديد؟ هل هي قراءة مختلفة للخريطة الانتخابية؟ أم أن بركان لم تعد بالنسبة إليه الأرض الأكثر ملاءمة للمعركة؟ أسئلة بسيطة. لكن يبدو أن بعض الأسئلة تصبح ثقيلة جداً عندما تقترب من الصندوق.
أزمة الشرعية..ليست اختراعا تلفزيونيا
أيضا هناك الملف الذي يبدو أنه الأكثر حساسية، الصراع القائم مند أكثر من 7سنوات حول قيادة الحزب وشرعيته التنظيمية. منذ سنوات، ظل النزاع بين المصطفى بنعلي والمصطفى لمفرك حاضراً في المشهد السياسي والقانوني، وانتقل من المجال التنظيمي إلى القضاء، ثم وجد طريقه إلى معركة التزكيات والاستحقاقات الانتخابية.
قد يختلف الناس حول الروايات. قد يختلفون حول التأويلات. وقد تقول هذه الجهة إن لها الشرعية، وتقول الجهة الأخرى الشيء نفسه. لكن الشيء الذي يصعب فهمه هو أن يصبح مجرد السؤال عن أزمة داخلية لحزب سياسي دليلاً على جهل الصحفي بالسياسة.
أليس الصراع على القيادة سياسة؟ أليست الشرعية التنظيمية سياسة؟ أليست التزكيات الانتخابية سياسة؟ أليس اللجوء إلى القضاء في نزاع حزبي شأناً سياسياً وقانونياً يستحق التغطية؟
ثم إن الحزب الذي يطلب من المغاربة أن يأتمنوه على تدبير الشأن العام، لا يمكن أن يطلب من الصحافة أن تغلق دفتره الداخلي. فالذي يريد أن يدير مؤسسة الدولة، عليه أولاً أن يقبل بأن تسأله الصحافة عن طريقة إدارة مؤسسته الحزبية.
من يطلب مفاتيح البيت الكبير، لا ينبغي أن يغضب حين يسأله أحدهم عن خلافات البيت الصغير.
الاستوديو ليس ساحة اعتذار
ومن المثير في مثل هذه الحوارات أن السياسي أحياناً يتصرف وكأنه منح الصحافة امتيازاً عظيماً بمجرد حضوره. في بلاطو البرنامج “كان بإمكاني أن أبقى أجبر حملتي الانتخابية في سيدي سليمان”، يقول بنعلي ضيف البرنامج. نعم، كان بإمكانه ذلك. وكان بإمكان الصحفي أيضاً ألا يجلس أمامه.
لكن الديمقراطية قامت أساساً على أن يلتقي الطرفان، السياسي الذي يريد استمالة أصوات الناس، والصحفي الذي يريد أن يعرف الناس ماذا يريد السياسي أن يفعل بأصواتهم.
الحملة الانتخابية ليست مهرجاناً للمديح. والقناة ليست منصة انتخابية حصريا لأحد، بل هي منصة لاستكشاف حقيقة الأحزاب وبرامجهم الانتخابية، وانشغالاتهم الوطنية. والاستوديو ليس مكاناً يقرأ فيه السياسي برنامجه، ويبرز جبهته، ثم ينصرف محاطاً بالتصفيق.
الناخب الذي سيضع ورقته في الصندوق يحتاج إلى أن يسمع البرنامج، لكنه يحتاج أيضاً إلى سماع الأسئلة التي يخشى السياسي أن يسمعها. وهنا تحديداً تظهر قيمة الإعلام.
الصحافة ليست خصماً انتخابياً
لأكون واضحا، فالدفاع عن ميدي1 تيفي أو نوفل العواملة، لا يعني تبني كل ما يقال في أي برنامج. ولا يعني أن الصحفي معصوم من الخطأ. فالصحافة تخطئ، والسياسيون يخطئون، والقراء يخطئون، وحتى التاريخ نفسه يحتاج أحياناً إلى من يعيد قراءته. لكن تصحيح الخطأ يكون بالحجة والدليل والوثيقة.
والحجة لا تحتاج إلى رفع الصوت. أما تحويل الصحفي إلى متهم بالجهل لمجرد أنه طرح سؤالاً غير مريح، فهو أخطر من السؤال نفسه. لأن السياسي الذي لا يحتمل السؤال اليوم، قد يجد غداً نفسه أمام ناخب لا يحتمل الأعذار.
وهناك فرق كبير بين أن تواجه صحفياً داخل استوديو، وبين أن تواجه صندوق الاقتراع خارج الاستوديو. الأول يمكن أن ترفع عليه صوتك. أما الثاني فلا يسمع. ولا يجادل. ولا يرد. يضع النتيجة في ورقة، ثم يذهب.
في السياسة..الصندوق هو الأستاذ الأخير
ربما كان الأجدى للأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية أن يعتبر الحلقة فرصة لاختبار روايته السياسية أمام الجمهور. وأن يقول للمغاربة؛ نعم، هذا تاريخ الحزب الحقيقي، وهذه قراءتي له. وأن يشرح لماذا تراجع الحزب. وأن يفسر لماذا اختار سيدي سليمان عوض بركان.
أن يقدم تصوراً مقنعاً لعودة الجبهة إلى المشهد الحكومي بعد غياب طويل. أن يشرح كيف سيواجه الملفات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى. أن يقول للناخب: لماذا أنا؟ ولماذا حزبي؟ وماذا سنفعل غداً إذا منحتمونا ثقتكم؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي. أما امتحان الصحفيين في “فقه السياسة”، فكان أقل أهمية بكثير، ومحط استهجان وسخرية. لأن هناك امتحاناً أكبر ينتظر الجميع. امتحان الناخب.
وهذا الامتحان لا يمنح نقاطاً على ارتفاع الصوت، ولا على كثرة المقاطعة، ولا على عدد المرات التي قيلت فيها عبارة “أنتم لا تفقهون في السياسة شيئا” هناك ورقة واحدة. وصندوق واحد. ونتيجة واحدة. ولذلك، ربما يجدر بكل سياسي أن يتذكر، قبل أن يلقّن الصحفي درساً في السياسة، أن الصحفي يستطيع أن يغادر الاستوديو وينسى الحلقة.
أما السياسي، فإنه لا يستطيع أن يغادر السياسة وينسى صناديق الاقتراع. فالصحافة تسأل، والتاريخ يسجل، والقضاء يفصل، والناخب يحكم.
وختاما، لا أحد يحتاج إلى أن يقول للسياسي إنه لا يفقه في السياسة. يكفي أن نترك السياسة نفسها تتكلم. فهي، في نهاية المطاف، أكثر سخرية من كل المقالات، وأشد قسوة من كل الأسئلة.



