المصحف المحمدي بالأمازيغية: سؤال الحرف وحدود الاعتراف

ألمانيا -منير لكماني
لا تكمن أهمية المصحف المحمدي المرفق بترجمة معاني القرآن إلى تاشلحيت في إضافة كتاب جديد إلى سجل الترجمات فحسب، بل في كونه يضع السياسة اللغوية المغربية أمام مرآتها. فهو يجمع ثلاثة تواريخ متداخلة: تاريخ القرآن في المغرب، وتاريخ التعبير الديني بالأمازيغية، وتاريخ الاعتراف المؤسسي بتيفيناغ. وعند تقاطعها يظهر السؤال: كيف حضرت الأمازيغية لغة للمعنى، بينما غاب حرفها الرسمي عن كتابتها؟
صدر العمل عن مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف برسم سنة 2026، بعد أربعة عشر عاما من الندوة العلمية بأكادير في 21 و22 و23 ديسمبر 2012، والتي أوصت بإنجاز ترجمة رصينة لمعاني القرآن. ولا تعني المسافة بين التاريخين أن الترجمة استغرقت أربعة عشر عاما كاملة، لكنها تكشف ثقل المشروع وحساسية الانتقال من الفكرة إلى الإخراج النهائي.
وتظهر هذه الحساسية في منهج الاشتغال. فقد تولت المهمة لجان من علماء سوس اجتمعت أسبوعيا، ووزعت المقاطع على أعضائها ثم نوقشت وحكمت. وبعد التنسيق، راجعت اللجنة النص ثلاث مرات، مستندة إلى تفاسير معروفة، منها الجلالان والبيضاوي وابن كثير والنسفي وأبو السعود، وإلى المرجعية المغربية في الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية، والمتون والأشعار الدينية السوسية. إنها ترجمة مؤسساتية جماعية، لا اجتهاد فردي.
حتى البناء المادي للمصحف يترجم هذه العناية. فالكتاب، بحجمه الجوامعي البالغ 25 في 35 سنتيمترا، يقع في 1278 صفحة تليها ملاحق، ويحمل غلافا أبيض عاجيا تتوسطه زخرفة مذهبة. ينتظم النص القرآني بالخط المغربي المبسوط في خمسة عشر سطرا، وتقابله ترجمة تاشلحيت، داخل إطار مستطيل. أما علامات الأجزاء وفواصل السور فتستعير أشكالها من الزخرفة الأمازيغية. وهذه التفاصيل ليست محايدة تماما؛ فالتصميم يمنح الثقافة الأمازيغية حضورا بصريا، لكنه يحصر علاماتها في الزخرفة، ويترك للحرف العربي حمل النص والمعنى.
اختيار الحرف العربي له أساس. فقد راكم علماء سوس تراثا دينيا وأدبيا أمازيغيا مكتوبا به، وتعلمت أجيال القراءة في الكتاتيب والألواح. واعتمد الإصدار القاعدة التي وضعها العلامة محمد المختار السوسي، مع ضبط الكلمات بالحركات واختيار لغة متداولة وتجنب الألفاظ الغريبة والمصطلحات المستحدثة. والغاية مفهومة: مخاطبة قارئ يعرف تاشلحيت ويألف الحروف العربية، وقد لا يتقن تيفيناغ.
غير أن التفسير العملي لا ينهي النقاش المؤسسي. فتيفيناغ اعتمد رسميا لكتابة الأمازيغية سنة 2003؛ أي قبل توصية أكادير بتسع سنوات، وقبل صدور المصحف بثلاث وعشرين سنة. وإذا كانت الكتب المرجعية الكبرى تتجنب استعماله لأن قطاعا من الجمهور لم يألفه، فإن عدم الألفة سيعاد إنتاجه باستمرار. الحرف لا يصبح اجتماعيا بقرار قانوني وحده؛ يحتاج إلى كتب يقرأها الناس، وإلى حضور يتجاوز اللافتة المدرسية والواجهة الإدارية.
ويزداد السؤال دقة عندما يوصف الإصدار بأنه ترجمة إلى «اللغة الأمازيغية». فالمنجز مكتوب بتاشلحيت، بينما تتوزع الأمازيغية المغربية على ثلاثة روافد كبرى: تاشلحيت في سوس والجنوب، وتامازيغت في الأطلس والوسط، وتاريفيت في الريف. بينها جذور مشتركة، ولكنها تختلف في جوانب صوتية ومعجمية وتركيبية. لذلك لا تضمن ترجمة تاشلحيت للقارئ في خنيفرة أو الحسيمة الدرجة نفسها من الفهم التي توفرها للقارئ في تيزنيت. تسمية الجزء باسم الكل توسع القيمة الرمزية للإصدار، لكنها لا توسع بالضرورة دائرة تلقيه.
القضية، في جوهرها، ليست مفاضلة بين العربية وتيفيناغ. فالعربية لغة القرآن ووعاء مركزي للثقافة المغربية، كما أن تيفيناغ تعبير عن استقلال الأمازيغية وحقها في الظهور بصورتها المعتمدة. ويمكن الجمع بين الاعتبارين بإصدار نسخ متوازية بالحرفين، ثم توسيع المشروع ليشمل تاريفيت وتامازيغت، ورقيا ورقميا وصوتيا. عندها يصبح تعدد الصيغ سياسة وصول، لا تنازعا على الشرعية.
حقق المصحف المحمدي بتاشلحيت خطوة علمية وثقافية مهمة: نقل الشرح الذي عاش قرونا في المجالس والكتاتيب إلى عمل جماعي موثق ومراجع. لكنه كشف، في الوقت نفسه، أن الاعتراف باللغة لا يكتمل بمجرد حضور معانيها، بل يحتاج إلى إنصاف تنوعها وإظهار حرفها. فالوحدة الدينية لا تفترض تماثل الألسنة، والوحدة الوطنية لا تبنى بإخفاء الفروق، وإنما بمنحها مكانا عادلا داخل المجال المشترك. وحين يجد قارئ سوس والريف والأطلس كلام الله قريبا من لغته وحرفه، تكون الترجمة قد تجاوزت نقل المعنى إلى بناء الثقة حقا.



