القنيطرة تحت رماد المزابل

أنا أتنفس…أنا أختنق، أختنق!
ألمانيا- منير لكماني
«أنقذونا، نحن نختنق». ليست هذه جملة للتهويل، ولا شعارا يبحث عن تصفيق عابر، بل صرخة تخرج من صدور سكان القنيطرة كلما زحف دخان مطرح النفايات نحو البيوت. مدينة فتحت نوافذها طلبا لنسمة من المحيط، فدخل إليها هواء مثقل برائحة الحريق، وأمست تتردد بين حق طبيعي في التنفس وواقع يومي يفرض عليها الاختناق. ينام الناس على قلق، ويستيقظون على السؤال نفسه: ماذا نحرق مع النفايات، وماذا يحرق هذا الدخان في أجسادنا؟
احتراق المزابل في الهواء الطلق لا يشبه حرق الخشب النظيف، لأن النفايات خليط مجهول من البلاستيك والمطاط والأصباغ والمعادن والمواد العضوية. وعندما يتم الاحتراق في درجات حرارة غير مضبوطة، ومن دون مرشحات أو مراقبة، قد ينطلق أول أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين والكبريت، والمركبات العضوية المتطايرة، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات. وقد تتكون الديوكسينات والفورانات عند احتراق مواد تحتوي على الكلور، بينما يحمل السخام جسيمات دقيقة ومعادن ثقيلة يمكن أن تتسلل إلى الرئتين، وقد يبلغ بعضها مجرى الدم.
لهذا لا تختصر الكارثة في رائحة كريهة تزول بإغلاق النافذة. الرائحة إنذار، لكنها ليست جهاز قياس؛ فقد تكون بعض المواد الخطرة بلا لون ولا رائحة. أما الأعراض القريبة، فتبدأ بحرقة العين والأنف والحلق، والسعال والصداع والدوخة وضيق التنفس، وقد تتفاقم لدى الأطفال والمسنين والحوامل ومرضى الربو والقلب. ومع تكرار التعرض، يصبح القلق مشروعا بشأن أمراض تنفسية وقلبية وآثار سامة بعيدة المدى. غير أن المسؤولية العلمية تقتضي عدم نسبة كل مرض إلى المطرح بلا دليل، كما تقتضي في المقابل ألا يستخدم غياب القياس ذريعة لنفي الخطر.
من هنا، تحتاج القنيطرة إلى الانتقال من صرخة مسموعة إلى حجة موثقة. يبدأ ذلك بمحطات قياس مستقلة ومستمرة قرب المطرح وداخل الأحياء المتضررة وفي نقطة مرجعية بعيدة، لرصد الجسيمات الدقيقة PM2.5 وPM10، وأول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، والمركبات العضوية المتطايرة. وينبغي تسجيل ساعة كل حريق، ومدته، واتجاه الرياح وسرعتها، ودرجة الحرارة والرطوبة؛ لأن رقما بلا زمان ومكان لا يكشف مسار سحابة التلوث.
أما الديوكسينات والفورانات والمعادن الثقيلة، فلا يكفي لقياسها جهاز منزلي رخيص، بل تتطلب عينات يجمعها مختبر معتمد من الهواء والرماد والتربة، وفق سلسلة حفظ موثقة تمنع الطعن في النتائج. ويستحسن تحليل مياه الآبار أو المجاري القريبة عند وجود احتمال لتسرب العصارة أو ترسب الرماد. كما يجب نشر النتائج كاملة بلغة يفهمها السكان، لا دفنها في تقرير إداري لا يرى النور.
التوثيق الصحي لا يقل أهمية. على المراكز الصحية تسجيل الشكايات التنفسية خلال أيام الدخان ومقارنتها بالأيام العادية، مع احترام سرية المرضى. وعلى السكان الاحتفاظ بالتقارير الطبية والوصفات، وتدوين الأعراض وتوقيتها ومكان وجودهم، وتصوير الدخان من نقاط ثابتة مع إثبات التاريخ والساعة. ويمكن للأطباء وجمعيات المجتمع المدني والجامعات إعداد دراسة وبائية تقارن الأحياء بحسب مستوى التعرض، من دون أحكام مسبقة أو استنتاجات متسرعة.
إلى حين معالجة المصدر، يلزم اعتماد بروتوكول إنذار سريع يعلن للسكان بداية الحريق واتجاه الدخان، ويحدد الفئات الأكثر عرضة وسبل الحماية المؤقتة. إغلاق النوافذ، وتقليل النشاط الخارجي، واستعمال أجهزة تنقية مناسبة قد تخفف التعرض، لكنها لا تحل المشكلة ولا تعفي الجهات المختصة من واجبها. كما ينبغي تخصيص رقم موحد لتلقي البلاغات، وخريطة رقمية تجمع الصور والروائح والأعراض، ومحاضر رسمية تثبت الوقائع، حتى تتكون قاعدة بيانات واحدة تصلح للمحاسبة واتخاذ القرار الصحي السليم.
لا تحتاج القنيطرة إلى لجنة تعد الهواء ثم تنسى الأنفاس، بل إلى إخماد نهائي للبؤر، ومنع الحرق المفتوح، ومراقبة دائمة للمطرح، وخطة شفافة لتدبير النفايات والغازات والعصارة. فالهواء ليس منحة انتخابية، والصحة ليست بندا مؤجلا، وحق السكان في المعلومة لا يقل عن حقهم في العلاج.
«أنا أتنفس» جملة حياة؛ أما «أنا أختنق» فهي شهادة اتهام. وبين الجملتين تقف مسؤولية مؤسسات مطالبة بأن تسمع قبل أن يصير السعال مزمنا، وأن تقيس قبل أن يصبح الضرر سجلا طبيا، وأن تتحرك قبل أن تضطر مدينة كاملة إلى رفع صرختها الأخيرة: أنقذونا، فنحن لا نطلب امتيازا… نحن نطلب الهواء.



