من روما إلى فاس..الروحانية تفتح دروب اللقاء

فوزي الصقلي ورهان الثقافة الصوفية في ترميم التصدعات الدينية والحضارية
ألمانيا- منير لكماني
المسافة بين روما وفاس أبعد من خرائط السفر، وأقرب من وشائج الروح. تبدو المدينتان، للوهلة الأولى، ابنتي تاريخين مختلفين؛ غير أن الإنصات إلى طبقاتهما العميقة يكشف عن سؤال إنساني واحد: كيف يستطيع المؤمن أن يسكن يقينه من دون أن يحوله إلى جدار، وأن يظل وفيا لعقيدته من غير أن يجعل اختلاف الآخر خطيئة؟ ذلك هو السؤال الذي حمله فوزي الصقلي إلى روما، ثم عاد به إلى فاس أكثر اتساعا.
لقاء عالم الأنثروبولوجيا ومؤسس مهرجان فاس للثقافة الصوفية بالبابا ليون الرابع عشر، وتقديم كتابه «يسوع في التقليد الصوفي» إليه، لم يكن حدثا بروتوكوليا عابرا. لقد كان إشارة إلى إمكان قراءة الشخصيات الروحية الكبرى خارج منطق الملكية الحصرية. فالمسيح لا يغادر أفقه المسيحي عندما يحضر في الوجدان الإسلامي، ولا يفقد جلاله عندما تتأمله التجربة الصوفية بوصفه صورة للرحمة والتجرد ونفاذ البصيرة.
لا يفاوض التصوف العقائد، ولا يقترح لاهوتا وسطا يمحو الفروق حتى يرضى الجميع. إنه يبدأ من مكان آخر: من تهذيب النظر. فالإنسان لا يرى الآخر كما هو دائما، بل كما تسمح له نفسه أن يراه. وإذا كانت النفس مسكونة بالخوف، حولت الاختلاف إلى تهديد؛ أما إذا تحررت من وهم امتلاك الحقيقة كلها، فإنها تدرك أن الوفاء للإيمان لا يستدعي إلغاء إيمان الآخرين.
من هنا يكتسب مشروع الصقلي حول المسيح وموسى، ثم مريم في عمله المقبل، قيمته الفكرية. فهذه الشخصيات لا تؤدي وظيفة زخرفية في خطاب التقارب، بل تتيح إعادة اكتشاف القرابات العميقة بين الديانات التوحيدية. إنها تعبر من نص إلى آخر، ومن ذاكرة إلى أخرى، حاملة الأسئلة الكبرى نفسها: ما الإنسان؟ كيف يستقبل النداء؟ وكيف يتحول الإيمان من معرفة باللسان إلى حال يسكن القلب ويهذب السلوك؟
تبدو مريم، على وجه الخصوص، أقرب إلى مقام روحي منها إلى مجرد رمز مشترك. حضورها في المسيحية والإسلام لا يقوم على التشابه وحده، بل على ما تجسده من صفاء الاستقبال، وصمت الإصغاء، والثقة بما يتجاوز الحساب البشري. إنها تعلم الإنسان أن الامتلاء لا يبدأ دائما بالكلام، وأن القلب قد يدرك، في لحظة صفائه، ما تضيق العبارة عن احتوائه. لذلك تستطيع أن تجمع رؤيتين من دون أن تخلط بينهما.
الحوار الديني، بهذا الفهم، لا ينعقد بين مؤسسات تتبادل عبارات المجاملة، بل بين ذوات تملك شجاعة الاقتراب من أعماقها. فمن يكتفي بقشور تراثه لا يرى من تراث الآخر إلا قشوره. أما من ينفذ إلى الجوهر، فيدرك أن الاختلاف لا يمنع التعارف، وأن الحقيقة لا تصغر عندما يصغي الإنسان إلى تجربة غيره، بل تتطهر من الغرور الذي يلتصق غالبا بادعاء امتلاكها.
وتستعيد فاس، مع الدورة الثامنة عشرة لمهرجان الثقافة الصوفية المقام تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، وظيفتها التاريخية بوصفها مدينة للعلم والعبور الروحي. فالمدينة ليست حجارة عتيقة تستعرضها الذاكرة، بل نص حضاري كتبته أجيال من العلماء والعارفين والشعراء. ومن أزقتها يمكن أن ينبعث خطاب مغربي راسخ في جذوره، منفتح على العالم، لا يخشى الحداثة ولا يختبئ من أسئلتها.
يأتي اختيار «الشعر الصوفي، إكسير للشفاء» موضوعا للدورة المقبلة تعبيرا عن حاجة تتجاوز جمال العبارة. فالقصيدة الصوفية لا تقدم وصفة سياسية لإنهاء النزاعات، لكنها تمس الجذر الباطني الذي يجعلها ممكنة: تضخم الأنا، والخوف من المختلف، وتحويل الهوية إلى حصن. وعند الرومي وابن عربي والعطار، لا يصبح الحب زينة لغوية، بل معرفة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالوجود.
قد تعجز الثقافة عن إسكات المدافع، لكنها تستطيع أن تمنعها من الاستقرار داخل الضمير. وقد لا تغير قصيدة حدود الدول، لكنها توسع حدود الإنسان. وبين روما وفاس لا يمتد طريق للسفر وحده، بل درب يذكرنا بأن الروح لا تسأل العابر عن طائفته قبل أن تفتح له الباب. وعندما يبلغ الإيمان صفاءه، لا يعود الاختلاف هاوية تفصل البشر، بل نافذة يرى فيها كل واحد جزءا من الحقيقة التي لم تخلق لتسكن قلبا واحدا.



