الفقر وسرقة العمر..

العيش الرغيد بوصفه حقا ومقياسا للعدالة الاجتماعية
ألمانيا- منير لكماني
يستطيع المرء أن يؤجل شراء معطف، لكنه لا يستطيع أن يؤجل الشتاء. ويمكنه أن يخفي حاجته عن الآخرين، لكنه يظل مطالبا كل صباح بتدبير يوم جديد. هذه هي قسوة الفقر: أن تتقدم مطالب الحياة بينما تتراجع القدرة على تلبيتها، وأن يقضي الإنسان عمره في إطفاء الحرائق الصغيرة، حتى ينسى ما كان يحلم ببنائه. وراء كل فاتورة متأخرة جزء من الطمأنينة يتآكل، ووراء كل رغبة مؤجلة مساحة تضيق في الروح.
ومن هذا الضيق ينبغي أن يبدأ التفكير في العدالة. فالدخل يخبرنا بما يدخل الجيب، لكنه لا يكشف وحده ما يبقى للإنسان من حرية التصرف في وقته ومستقبله. العامل الذي يستنزف يومه لتأمين الضروريات يدفع من عمره ما لا يظهر في كشف راتبه. والأم التي تقتصد في علاجها كي تشتري حاجات أطفالها تحمل خسارة يصعب إدراجها في الجداول. لذلك يستدعي فهم الفقر الإنصات إلى التجربة التي تعجز الأرقام عن روايتها كاملة.
وتزداد الصورة تعقيدا مع الهشاشة، حيث يبدو الاستقرار قائما إلى أن يقع طارئ. قد تحتفظ أسرة بمظهر مألوف من الاكتفاء، فيما يفصلها عن الاستدانة توقف راتب أو ارتفاع إيجار. وقد يملك شاب عملا، دون أن يملك ضمانا لاستمراره. إن انشغال الناس الدائم باحتمال السقوط يستهلك طاقتهم، ويدفعهم إلى خيارات لم يكونوا ليقبلوها لو امتلكوا سندا. فالخوف من فقدان الرزق قد يدفع صاحبه إلى تحمل الإهانة، ويضعف قدرته على المطالبة بحقوقه علنا. هنا يصبح تأمين الغد جزءا من تحرير الحاضر.
غير أن الخطاب العام كثيرا ما يستبدل البحث في هذه الأوضاع بمحاكمة أصحابها. ينسب تعثرهم إلى ضعف الإرادة، ويقدم نجاح أفراد محدودين دليلا على أن الطريق متاح للجميع. بذلك تختفي الفوارق في نقطة البداية: بيت يهيئ للتعلم، وآخر يطلب من أبنائه العمل مبكرا؛ حي تتعدد فيه الفرص، وآخر تستنزف مغادرته الوقت والمال. الاعتراف بهذه الفوارق يضع الاجتهاد في سياقه، ويمنع تحويله إلى ذريعة لإعفاء المؤسسات من مسؤوليتها.
ومن هنا يتضح موقع العيش الرغيد في النقاش. للإنسان حق في قدر من السعة يتيح له أن يستريح، ويقرأ، ويزور من يحب، ويخطط لأمر يتجاوز آخر الشهر. فالراحة تحفظ قدرته على الاستمرار، والثقافة توسع أفقه، والعلاقات تمنحه انتماء يحتاج إليه. وما جدوى الحديث عن تقدم يترك أكثر الناس إنهاكا عاجزين عن الانتفاع بثماره؟ تتصل قيمة الرفاه بما يفتحه من إمكانات لحياة يشارك صاحبها في اختيار مسارها.
ويبدأ توسيع هذه الإمكانات من الطفولة. الطفل الذي يتعود إسكات رغباته مراعاة لضيق أسرته يتعلم حدود مكانه قبل أن يكتشف قدراته. وحين تتفاوت جودة التعليم والرعاية والبيئة المحيطة، يصبح المستقبل محملا بأعباء موروثة. لذلك يحمل الاستثمار في المدارس والصحة والسكن مسؤولية تجاه أجيال لم تختر ظروف ولادتها. وكل باب يفتح أمامها يخفف ارتباط المصير بالموقع الاجتماعي للأسرة، ويمنح الموهبة فرصة كي تظهر وتثمر.
وتقتضي هذه المسؤولية سياسة تتعامل مع الرفاه باعتباره غاية يمكن مساءلة أصحاب القرار عنها. أجور تحفظ القدرة الشرائية، وحماية من تقلبات الشغل، وخدمات عمومية جديرة بالثقة، وإنفاق يستجيب للحاجات الفعلية. وتحتاج العدالة أيضا إلى توزيع منصف للأعباء، وإلى رقابة تمنع استنزاف الموارد في الامتيازات. فاختيارات الميزانية تصل إلى البيوت في هيئة مدرسة قريبة أو بعيدة، وعلاج متاح أو مؤجل، وطريق يختصر التعب أو يضاعفه.
ولكي تلامس السياسة واقعها، ينبغي أن يكون لأصحاب التجربة صوت في صياغتها. يعرف من يتنقل يوميا أين تنقطع فرص الوصول، وتعرف من تعيل أسرتها كيف يتبدد الدعم بين الأسعار والإجراءات. الإصغاء إليهم يعيد للنقاش دقته، ويمنح التدبير فرصة لتصحيح أخطائه. أما إخضاع المحتاج لاختبارات مذلة لإثبات استحقاقه، فيضيف إلى ضيقه عبئا آخر، ويضعه في علاقة انتظار دائم مع جهة تملك قرار مساعدته.
إن مقاومة الفقر دفاع عن عمر الإنسان، وعن حقه في أن يجد فسحة للفرح داخل أيامه. وأصدق أثر للعدالة أن يعود الغد وعدا يمكن الوثوق به، وأن يدخل الطفل متجر الأحذية دون أن يقرأ القلق في وجه أبيه. عندئذ تستعيد الأشياء بساطتها: المعطف دفء، والعلاج عناية، والراحة حق. ويستعيد الناس أعمارهم، بعدما استهلك الخوف أجمل ما كان يمكن أن يعيشوه.



