Hot eventsأخبارالرئيسيةفي الصميم

جنوب إفريقيا..قتل النساء رقم في دفتر المآسي

بقلم: عبدالسلام العزوزي

في جنوب إفريقيا، لا تحتاج المأساة إلى كثير من الكلام كي تقول إن شيئاً ما ليس على ما يرام. يكفي أن تعثر على جثث تسع نساء خلال شهرين فقط في منطقة “إيست راند”، شرق “جوهانسبورغ”، حتى يتحول الخبر من واقعة جنائية إلى جرس إنذار. ويكفي أن تقول الأمم المتحدة إن هذه الوفيات ليست مآسي معزولة، حتى يصبح السؤال أكبر من أسماء الضحايا وتفاصيل الجرائم. ماذا تفعل الدولة حين يتحول العنف ضد النساء إلى ظاهرة متكررة؟

الأرقام هنا لا تجامل أحداً  569امرأة قُتلن بين أبريل ويونيو 2026، و1052 نجون من محاولات قتل، فيما سُجلت 8814 حالة اغتصاب خلال الربع الأول من السنة، وفق المعطيات التي أوردتها اللجنة الجنوب إفريقية لحقوق الإنسان. هذه ليست أرقاماً باردة. وراء كل رقم امرأة لها اسم، وأسرة، وذاكرة، وأحلام لم تكتمل. وكل رقم في تقرير رسمي يخفي خلفه قصة إنسانية لا يمكن اختزالها في جدول إحصائي.

ولذلك جاء التحذير الأممي في توقيته، ليقول إن إعلان العنف القائم على النوع الاجتماعي وجرائم قتل النساء «كارثة وطنية» لا ينبغي أن يبقى عنواناً سياسياً أو قانونياً، بل يجب أن يتحول إلى إجراءات ملموسة: مساءلة، وعدالة، وحماية، وتمويل مستدام، وآليات حقيقية للتتبع والتقييم.

وهنا تكمن المسألة. فالدول لا تُقاس فقط بما تعلنه من استراتيجيات، وإنما بما تنجح في تغييره على الأرض.

جنوب إفريقيا أعلنت الكارثة الوطنية سنة 2025، لكن الأرقام اللاحقة تقول إن الكارثة لم تغادر الشارع بعد. والشرطة سجلت، خلال الربع الأول من السنة المالية 2026، 5427 جريمة قتل، بانخفاض نسبته 5.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، غير أن المعدل لا يزال يقارب ستين جريمة قتل يومياً.

قد يكون انخفاض الرقم مؤشراً إحصائياً مهماً، لكنه لا يلغي السؤال الاجتماعي والحقوقي الأعمق، متى يصبح الأمن اليومي للمرأة حقيقة لا مجرد هدف في استراتيجية وطنية؟

المفارقة أن جنوب إفريقيا تمتلك إطاراً دستورياً ومؤسساتياً متقدماً في مجال الحقوق، كما أن السلطات سبق أن أقرت بخطورة العنف القائم على النوع الاجتماعي. لكن الفجوة بين النص والممارسة تظل واحدة من أكثر المساحات إيلاماً في هذه القضية.

فالعدالة لا تبدأ في قاعة المحكمة فقط. بل تبدأ في الشارع، وفي الأسرة، وفي المدرسة، وفي مركز الشرطة، وفي قدرة المرأة على طلب النجدة وهي واثقة بأن صوتها سيُسمع، وفي قدرة المؤسسات على التدخل قبل أن يتحول التهديد إلى جريمة، وفي ضمان ألا يصبح الفقر أو التبعية الاقتصادية أو الخوف من الوصمة عائقاً أمام طلب الحماية.

ومن هنا، فإن قضية “إيست راند” ليست قضية تسع نساء فقط. إنها قضية مجتمع يريد أن يعرف لماذا تتكرر المأساة، وقضية دولة مطالبة بأن تبرهن أن وصف «الكارثة الوطنية» يعني شيئاً أكثر من الكلمات.

و حين تصبح أرقام قتل النساء جزءاً من البيانات الفصلية، يكمن الخطر في أن يفقد المجتمع حساسيته تجاه المأساة. الرقم يتكرر، والعنوان يتغير، والتحقيق يبدأ، ثم يهدأ الاهتمام الإعلامي، بينما تبقى عائلات الضحايا أمام فراغ لا تعوضه الإحصاءات.

وهنا بالضبط يجب أن يبدأ التفكير في المعالجة، ليس فقط كيف نعاقب بعد وقوع الجريمة، وإنما كيف نمنع وقوعها أصلاً.

إن مكافحة قتل النساء ليست ملفاً أمنياً منفرداً، ولا قضية حقوقية منعزلة، ولا مناسبة لإصدار بيانات الإدانة. إنها اختبار يومي لقدرة المؤسسات على حماية الحق في الحياة والكرامة والأمن. ولعل الرسالة الأكثر وضوحاً في التحذير الأممي هي أن الالتزام لا يكتمل بالإعلان، والاستراتيجية لا تنجح بمجرد إطلاقها، والقانون لا يحمي ضحية لا تستطيع الوصول إلى العدالة.

أما إيست راند، بجثث نسائها التسع، فتضع جنوب إفريقيا أمام حقيقة لا تحتاج إلى كثير من البلاغة، حين يصبح قتل النساء رقماً متكرراً، فإن المعركة لم تعد فقط ضد القاتل، بل ضد كل ما يسمح للمأساة بأن تتكرر.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button