لقجع ومأزق الأغلبية المقبلة..هل يصنع التحالف رجل لم يترشح للبرلمان؟

ألمانيا-منير لكماني
تكشف تجربة فوزي لقجع في انتخابات 2026 عن مفارقة في تكوين السلطة: قد يكتسب السياسي نفوذا في صناعة الأغلبية من دون أن يخوض الاقتراع باسمه، لكنه لا يستطيع أن يفصل ذلك النفوذ عن مسؤوليته في الحكم السابق. فقد دافع لقجع عن برنامج الأصالة والمعاصرة وهو المسؤول عن الميزانية في حكومة كان الحزب شريكا فيها. وبعد تصدر الحزب النتائج، لم يعد السؤال الجدي أين سيجلس لقجع، بل بأي تصور سيجمع الحلفاء حول سياسة جديدة، وكيف سيبرر للمغاربة الحاجة إلى تغيير أدارت الأحزاب نفسها شروطه طوال الولاية الماضية.
دخل لقجع المعركة من خارج ورقة الاقتراع، لكنه لم يبق خارج ميزان القوة فيها. منح الأصالة والمعاصرة وجها يعرف كيف يتحدث عن كلفة الوعود وإمكان تنفيذها، وجال إلى جانب مرشحيه من دون أن يضع اسمه أمام اختبار الناخبين. هنا تكتسب صورة «المهاجم الوهمي» معناها السياسي: الحضور في صناعة النتيجة مع غياب الاسم عن كشوف الفائزين والخاسرين. غير أن موقعه ينطوي على مفارقة أشد أهمية من التشبيه الرياضي؛ فقد وعد الحزب بتصحيح مسار حكومة كان لقجع يدبر ميزانيتها. وإذا أريد له أن يصنع أغلبية المرحلة المقبلة، فعليه أن يجيب أولا عما تعذر إنجازه في المرحلة السابقة. ومن دون هذا الجواب، لن يكون تغيير موقعه داخل السلطة دليلا على تغيير سياستها.
دخل لقجع قيادة الحزب وفي رصيده خبرة في تدبير الميزانية وحضور عام عززته كرة القدم. يستطيع هذا الرصيد أن يساعد في مفاوضات التحالف، خصوصا حين ينتقل النقاش من عناوين البرامج إلى كلفة الوعود وموارد تمويلها. لكنه يحمل عبئا سياسيا موازيا: لقجع تولى مسؤولية الميزانية في الحكومة السابقة، والأصالة والمعاصرة كان شريكا فيها. إذا طالب الحزب بثقة جديدة لمعالجة الغلاء أو تحسين الخدمات، فمن حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي منع شركاء الأمس من تحقيق ذلك، وأين أخطأ التقدير، وما الذي تغير في الخطة. الخبرة الحكومية تمنح صاحبها أهلية الاقتراح، وتلزمه أيضا بواجب التفسير.
تظهر هذه المعضلة في أبسط معادلة للتحالف. فالأصالة والمعاصرة، وفق النتائج الأولية، نال 97 مقعدا، مقابل 66 للأحرار و65 للاستقلال. ويمنح اجتماعهم 228 مقعدا، أي أغلبية تتجاوز عتبة 198 اللازمة لتنصيب الحكومة. لكنه يجمع الأحزاب التي أدارت الولاية المنتهية، بعد حملة أبرز فيها كل طرف ما يراه ناقصا في أداء الآخرين. إذا اختارت تجديد تحالفها، فستحتاج إلى اتفاق يحدد المسؤوليات والإصلاحات ومواعيد تنفيذها. مجرد انتقال رئاسة الائتلاف من حزب إلى آخر لا يفسر للناخب كيف ستتغير السياسة العامة.
وتوجد بدائل حسابية: أغلبية من 216 مقعدا تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية، أو أخرى من 210 مقاعد تضم الحزب المتصدر والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية. لكن قابلية جمع المقاعد لا تعني سهولة جمع المواقف. هنا يمكن أن يصبح لقجع مفاوضا مؤثرا إذا ساعد على صياغة برنامج يوضح ما اتفق عليه الشركاء، وكيف سيمول، وما الذي سيتحمل كل منهم مسؤوليته. أما اتفاق الحقائب وحده، فسرعان ما يكشف اختلافاته عند أول قرار مكلف.
وتبقى رئاسة الحكومة مسألة مستقلة عن قدرته على التفاوض. ينص الدستور على تعيين رئيسها من الحزب المتصدر، من دون اشتراط أن يكون الشخص المعين قد انتخب نائبا. لهذا لا يستبعد عدم ترشح لقجع اسمه دستوريا، كما لا يحسم صعوده السياسي الاختيار لصالحه. فاطمة الزهراء المنصوري، بحكم موقعها في قيادة الحزب، مرشحة محتملة أيضا. وسيتوقف الأمر على قرار التعيين، وعلى قدرة الشخصية المختارة على تقديم برنامج يحظى بثقة مجلس النواب.
أما قبول المواطنين، فله معيار أصعب من ثقة البرلمان. لقد شارك نحو 38 في المائة من المسجلين في الاقتراع؛ ولا يجوز اختزال الممتنعين جميعا في موقف واحد، لكن انخفاض الإقبال يكفي لمساءلة قدرة الأحزاب على الإقناع. قد يساهم لقجع في تشكيل أغلبية متماسكة، وقد يتقدم فيها أو يبقى خلف واجهتها. وفي كل الأحوال، لن تقاس مهمته بمهارته في نقل الكرة بين الحلفاء، بل بمدى استعدادهم لأن يضعوا حصيلتهم السابقة على الطاولة قبل أن يطلبوا تفويضا جديدا.



